إعلام الموقعين

يرجع بها.

قيل: ليس كذلك، بل يحتسب له بما أنفقه؛ لأنّ فيه إصلاحَ الرهن، ذكره القاضي وابنه وغيرهما. وقد نصّ الإمام أحمد١ في رواية [ابن] أبي حرب الجرجرائي٢ في رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه، فاستخرج الماء: لهذا الذي عمِلَ نفقته٣ إذا عمِلَ ما يكون منفعة لصاحب القناة. هذا مع أن الفرق بين الحيوان والدار ظاهر؛ لحاجة الحيوان إلى الإنفاق ووجوبه على مالكه، بخلاف عمارة الدار، فإن صحَّ الفرق بطل السؤال، وإن بطل الفرق ثبت الاستواء في الحكم.

فإن قيل: في هذا مخالفةٌ للأصول من وجهين:

أحدهما: أنه إذا أدَّى عن غيره واجبًا بغير إذنه كان متطوّعًا، ولم يلزمه القيام له بما أدَّاه عنه.

الثاني: أنه لو لزمه عوضُه فإنما يلزمه نظير ما أدَّاه، فأما أن يُعاوَض عليه بغير جنس ما أدَّاه بغير اختياره فأصول الشرع تأبى ذلك.

قيل: هذا هو الذي رُدَّتْ به هذه السنة، ولأجله تأوَّلها من تأوَّلها على أن المراد بها أن النفقة على المالك، فإنه الذي يركب ويشرب، وجعل الحديث دليلًا على جواز تصرُّف الراهن في الرهن بالركوب والحلب وغيره، ونحن

  1. (١) كما في «الروايتين والوجهين» لأبي يعلى (١/ ٣٦٨).
  2. (٢) في المصدر السابق: «أبو جعفر محمد بن حرب الجرجاني». وهو خطأ. انظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ٣٣١).
  3. (٣) د: «أجر نفقته». والمثبت من ت موافق لما في «الروايتين».
412

نبيِّن ما في هذين الأصلين من حق وباطل.

فأما الأصل الأول فقد دلَّ على فساده القرآن والسنة وآثار الصحابة والقياس [١٢٦/ب] الصحيح ومصالح العباد:

أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقد تقدم تقرير الدلالة منه. وقد اعترض بعضهم على هذا الاستدلال بأن المراد به أجورهن المسمَّاة فإنه أمرٌ لهم بوفائها، لا أمرٌ لهم بإيتاء ما لم يسمُّوه من الأجرة، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]، وهذا التعاسر إنما يكون حالَ العقد بسبب طلبِها الشططَ من الأجر أو حطَّها عن أجرة المثل. وهذا اعتراض فاسد؛ فإنه ليس في الآية ذكر التسمية، ولا يدلُّ عليها بدلالة من الدلالات الثلاث، أما اللفظيتان فظاهر، وأما اللزومية فلِانفكاكِ التلازم بين الأمر بإيتاء الأجر وبين تقدُّم تسميتِه. وقد سمَّى الله سبحانه ما يؤتيه العامل على عمله أجرًا وإن لم يتقدم له تسمية، كما قال تعالى عن خليله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، ومعلوم أن الأجر١ ما يعود إلى العامل عوضًا عن عمله؛ فهو كالثواب الذي يثوب إليه أي يرجع من عمله، وهذا ثابت سواء سُمِّي أو لم يُسَمَّ.

وقد نصّ الإمام أحمد٢ على أنه إذا افتدي الأسير رجع عليه بما غرمه

  1. (١) ت: «الأجرة».
  2. (٢) كما في «الروايتين والوجهين» (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦).
413

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي