المحسن بتخليصه من أحسن إليه١ بأداء دَينه وفكِّ أسْره منه وحلِّ وثاقِه أن يضيع عليه معروفُه وإحسانه، وأن يكون جزاؤه منه بإضاعة ماله ومكافأته عليه بالإساءة، وقد قال النبي ﷺ: «مَن أسدى إليكم معروفًا فكافِئوه»٢، وأيُّ معروفٍ فوق معروف هذا الذي افْتكَّ أخاه من أَسْر الدين؟ وأي مكافأة أقبح من إضاعة ماله عليه وذهابه؟ وإذا كانت الهدية التي هي تبرُّعٌ محض قد شُرِعت المكافأة عليها وهي من أخلاق المؤمنين، فكيف يُشرع جواز ترك المكافأة على ما هو من أعظم المعروف؟ وقد عقد الله سبحانه الموالاة بين المؤمنين وجعل بعضهم أولياء بعض، فمن أدّى عن وليّه واجبًا كان نائبَه فيه بمنزلة وكيلِه ووليِّ من أقامه الشرع للنظر في مصالحه لضعفه أو عجزه.
ومما يوضِّح ذلك أن الأجنبي لو أقرض ربَّ الدين قدْرَ دينه وأحاله به٣ على المدين ملك ذلك، وأيُّ فرقٍ شرعي أو معنوي بين أن يوفِّيه ويرجع به على المدين أو يُقرِضه ويحتال به على المدين؟ وهل تفرِّق الشريعة المشتملة على مصالح العباد بين الأمرين؟ ولو تعيَّن عليه ذبح هدي أو أضحية فذبحها أجنبي بغير إذنه أجزأَتْ٤ وتأدَّى الواجب بذلك، ولم تكن ذبيحة غاصب، وما ذاك إلا لكون الذبح قد وجب عليه فأدَّى هذا
(١) «بتخليصه من أحسن إليه» ساقطة من ت.
(٢) رواه أبو داود (١٦٧٢) والنسائي (٢٥٦٧) وأحمد (٥٣٦٥)، وصححه ابن حبان (٣٤٠٨) والحاكم (١/ ٤١٢) من حديث ابن عمر ﵄. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٥٤).
(٣) «به» ليست في ت.
(٤) ت: «أجزأ».
الواجبَ غيرُه وقام مقام تأديته هو بحكم النيابة عنه شرعًا. وليس الشأن [١٢٨/ب] في هذه المسألة لوضوحها واقتضاء أصول الشرع وفروعه لها، وإنما الشأن فيمن عمِلَ في مال غيره عملًا بغير إذنه ليتوصَّل بذلك العمل إلى حقه، أو فَعَله حفظًا لمال المالك واحترازًا له من الضياع؛ فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله.
وقد نص عليه الإمام أحمد ﵁ في عدة مواضع:
منها: أنه إذا حصد زرعه في غَيبته فإنه نص على أنه يرجع عليه بالأجرة. وهذا من أحسن الفقه، فإنه إذا مرض أو غابَ أو حُبِس١ فلو ترك زرعه بلا حصاد لهلك وضاع، فإذا علم من يحصده له أنه يذهب عليه عمله ونفقته ضياعًا لم يقدم على ذلك، وفي ذلك من إضاعة المال وإلحاق الضرر بالمالك ما تأباه الشريعة الكاملة؛ فكان من أعظم محاسنها أن أذنت للأجنبي في حصاده والرجوع على مالكه بما أنفق عليه حفظًا لماله ومال المحسن إليه، وفي خلاف ذلك إضاعة لماليهما أو مال أحدهما.
ومنها: ما نص عليه فيمن عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء، قال: لهذا الذي عمِلَ نفقتُه.
ومنها: لو انكسرت سفينته فوقع متاعه في البحر فخلَّصه رجل فإنه لصاحبه، وله عليه أجرُ مثلِه. وهذا أحسن من أن يقال: لا أجر له؛ فلا تطيب نفسه بالتعرُّض للتلَف والمشقة٢ الشديدة ويذهب عمله باطلًا أو يذهب