«وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخَّر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر»١.
كقول ابن عمر وقد أخَّر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما ثم أخبر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك إذا جدَّ به السيرُ٢.
وكلُّ هذه سننٌ في غاية الصحة والصراحة، ولا معارضَ لها؛ فرُدَّت بأنها أخبار آحاد، وأوقات الصلوات ثابتة بالتواتر، كحديث إمامة جبريل للنبي ﷺ وصلاته به كلَّ صلاة في وقتها ثم قال: «الوقتُ ما بين هذين»٣. فهذا في أول الأمر بمكة، وهكذا فعل النبي ﷺ بالسائل في المدينة سواءً، صلَّى به كل صلاة٤ في أول وقتها وآخره وقال: «الوقت ما بين هذينِ»٥. وقال في حديث عبد الله بن عمرو: «وقتُ صلاة الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط
(١) رواه الشافعي في مسنده (٥٣٠) ومن طريقه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٢٩٣) والبغوي (٤/ ١٩٥). وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى متكلم فيه، وحسين بن عبد الله السابق.
(٢) رواه البخاري (١٠٩١) ومسلم (٩٠٣).
(٣) رواه أبو داود (٣٩٣) والترمذي (١٤٩) وأحمد (٣٠٨١) من حديث ابن عباس، وإسناده حسن. وفي الباب عن جابر وغيره.
(٤) «سواء ... صلاة» ساقطة من ت.
(٥) رواه مسلم (٦١٤) من حديث أبي موسى الأشعري.
ثَوْر١ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل»٢. وقال: «وقتُ كل صلاة ما لم يدخل وقتُ التي تليها»٣. ويكفي قوله للسائل وقد سأله عن المواقيت ثم بيَّنها له بفعله: «الوقتُ [١٢٩/ب] فيما بين٤ هذين». فهذا بيان بالقول والفعل.
وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة٥ في تفصيل الأوقات مجمع عليها بين الأمة، وجميعهم احتجوا بها في أوقات الصلاة، فقدَّمتم عليها أحاديث مجملة محتملة في الجمع غير صريحة فيه؛ يجوز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل، وأن يراد بها الجمع في الوقت، فكيف يُترك الصريح المبين للمجمل٦ المحتمل؟ وهل هذا إلا تركٌ للمحكم وأخذٌ بالمتشابه، وهو عين ما أنكرتموه في هذه الأمثلة؟
فالجواب٧ أن يقال: الجميع٨ حق؛ فإنه من عند الله، وما كان من عند الله فإنه لا يختلف، فالذي وقَّت هذه المواقيت وبيَّنها بقوله وفعله هو الذي شَرَع الجمع بقوله وفعله؛ فلا يؤخذ ببعض السنة ويُترك بعضها.
(١) د: «نور»، وليست في ت. والتصحيح من «صحيح مسلم». وثور الشفق: ثورانه وانتشاره.