ثَوْر١ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل»٢. وقال: «وقتُ كل صلاة ما لم يدخل وقتُ التي تليها»٣. ويكفي قوله للسائل وقد سأله عن المواقيت ثم بيَّنها له بفعله: «الوقتُ [١٢٩/ب] فيما بين٤ هذين». فهذا بيان بالقول والفعل.
وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة٥ في تفصيل الأوقات مجمع عليها بين الأمة، وجميعهم احتجوا بها في أوقات الصلاة، فقدَّمتم عليها أحاديث مجملة محتملة في الجمع غير صريحة فيه؛ يجوز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل، وأن يراد بها الجمع في الوقت، فكيف يُترك الصريح المبين للمجمل٦ المحتمل؟ وهل هذا إلا تركٌ للمحكم وأخذٌ بالمتشابه، وهو عين ما أنكرتموه في هذه الأمثلة؟
فالجواب٧ أن يقال: الجميع٨ حق؛ فإنه من عند الله، وما كان من عند الله فإنه لا يختلف، فالذي وقَّت هذه المواقيت وبيَّنها بقوله وفعله هو الذي شَرَع الجمع بقوله وفعله؛ فلا يؤخذ ببعض السنة ويُترك بعضها.
(١) د: «نور»، وليست في ت. والتصحيح من «صحيح مسلم». وثور الشفق: ثورانه وانتشاره.
(٢) رواه مسلم (٦١٢).
(٣) بمعناه عند مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٤) ت: «ما بين».
(٥) ت: «صريحة صحيحة».
(٦) ت: «المجمل».
(٧) ت: «الجواب».
(٨) ت: «الجمع».
والأوقات التي بيّنها النبي ﷺ بقوله وفعله نوعان بحسب حال أربابها: أوقات السعة والرفاهية، وأوقات العذر والضرورة، ولكل منها أحكام تخصُّها. وكما أن واجبات الصلاة وشروطها تختلف باختلاف القدرة والعجز فهكذا أوقاتها، وقد جعل النبي ﷺ وقت النائم والذاكر حين يستيقظ ويذكر، أيّ وقتٍ كان١، وهذا غير الأوقات الخمسة. وكذلك جعل أوقات المعذورين ثلاثة: وقتين مشتركين، ووقتًا مختصًّا؛ فالوقتان المشتركان لأرباب الأعذار هما أربعة لأرباب الرفاهية، ولهذا جاءت الأوقات في كتاب الله نوعين٢ خمسة وثلاثة في نحو عشر آيات من القرآن، فالخمسة لأهل٣ الرفاهية والسعة، والثلاثة لأرباب الأعذار، وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه وبيان أسبابه، فتوافقت دلالة القرآن والسنة والاعتبار الصحيح الذي هو مقتضى حكمة الشريعة وما اشتملت [١٣١/أ] عليه من المصالح.
فأحاديث الجمع مع أحاديث الإفراد بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث الشروط والواجبات؛ فالسنة يبيِّن بعضُها بعضًا، لا يُردّ بعضُها ببعض. ومن تأمَّل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحةً في جمع الوقت لا في جمع الفعل، وعَلِم أن جمع الفعل أشقُّ وأصعبُ من الإفراد بكثير؛ فإنه ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدرُ فعلِها فقط، بحيث إذا سلّم منها دخل وقت الثانية فأوقع كل واحدة منهما في وقتها، وهذا أمر٤ في غاية العسر