إعلام الموقعين

طَفْرُ١ أبي مِحجن، وأبو مِحجن في القيد، فلما هُزِمَ العدو رجع أبو مِحجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة خَصَفَة٢ سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرِبُ اليومَ رجلًا أبلَى المسلمين٣

ما أبلاهم، فخلَّى سبيله، فقال أبو مِحجن: قد كنتُ أشربها إذ يقام عليَّ الحدُّ وأُطَهَّر منها، فأما إذْ بَهْرَجْتَني فوالله لا أشربُها أبدًا٤٥.

وقوله: «إذ بَهْرَجْتَني» أي أهدرتَني بإسقاط الحدّ عنّي، ومنه «أنّه بَهْرَجَ دمَ ابن الحارث»٦ أي أبطله. وليس في هذا ما يخالف نصًّا ولا قياسًا ولا

  1. (١) د: «والظفر ظفر» وكذا في المطبوع، وهو تصحيف. والمثبت من ز، و«الإصابة». والطَّفْر: الوثوب في ارتفاع. وعند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن عبد البر في «الاستيعاب» وابن قدامة في «المغني»: «والطَّعْن طَعْن أبي محجن».
  2. (٢) ز: «حفصة»، تحريف.
  3. (٣) كذا في د، ز هنا. وفيما يأتي: «للمسلمين». وفي «المغني»: «أبلى الله المسلمين به». وانظر: «الإصابة» (١٢/ ٥٨٩) ..
  4. (٤) رواه سعيد بن منصور (٢٥٠٢) وابن أبي شيبة (٣٤٤٣٥).
  5. (٥) إلى هنا انتهى النقل عن ابن قدامة في «المغني».
  6. (٦) كما في «النهاية» لابن الأثير (١/ ١٦٦)، ولم أجده مسندًا بهذا اللفظ، والمقصود به ما قاله النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: «ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أوّلَ دمٍ أضعُ من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل». أخرجه مسلم (١٢١٨) ضمن حديث جابر الطويل في الحج. واسمه آدم كما جاء في «جمهرة أنساب العرب» (ص ٧٠) لا ذباب كما في «المجموع المغيث» (١/ ٢٠٢). فذباب بن الحارث صحابي، وقصة إسلامه مشهورة ولم يُقتل حتى يُبطل دمه. انظر: «طبقات ابن سعد» (١/ ٣٤٢) و«الإصابة» (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧).
435

قاعدةً من قواعد الشرع ولا إجماعًا، بل لو ادُّعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب. قال الشيخ في «المغني»١: «وهذا اتفاق لم يظهر خلافه».

قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحدّ لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحدّ لعارضٍ أمر وردت به الشريعة، كما يؤخَّر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى.

فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد: «والله لا أضرِب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم»، فأسقط عنه الحد؟

قيل: قد يتمسك بهذا من يقول: لا حدَّ على المسلم في دار الحرب، كما يقوله أبو حنيفة. ولا حجة فيه، والظاهر أن سعدا ﵁ اتبع في ذلك سنة الله ﷿؛ فإنه لما رأى تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذْله نفسَه لله ما رأى درأ عنه الحدَّ؛ لأن ما أتى به من الحسنات غَمرتْ هذه السيئة الواحدة وجعلتْها كقطرة نجاسةٍ وقعت في بحر، ولا سيّما وقد شامَ منه مخايلَ التوبة النصوح وقت القتال؛ إذ لا يُظَنُّ في مسلم إصرارُه في ذلك الوقت الذي هو مظِنَّة القدوم على الله وهو يرى الموت.

وأيضًا فإنه بتسليمه نفسَه ووَضْعِ رجلِه في القيد اختيارًا قد استحق أن يُوهَب له حدُّه كما قال النبي ﷺ للرجل الذي قال له: يا رسول الله، أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليّ، فقال: «هل صلَّيتَ معنا هذه الصلاة؟» قال: نعم، قال:

  1. (١) «المغني» (١٣/ ١٧٤).
436

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي