المسجد ــ عَكْوَرَةً١ على نفسها، فاستغاثت برجل مرَّ عليها، وفرَّ صاحبها، ثم مر عليها ذوو٢ عددٍ، فاستغاثتْ بهم، فأدركوا الرجلَ الذي كانت استغاثَتْ به فأخذوه، وسبقَهم الآخر، فجاؤوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتُكِ، وقد ذهب الآخر، قال: فأَتَوا به نبيَّ الله ﷺ، فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتدُّ، فقال: إنما كنتُ أغثتُها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذبَ، هو الذي وقع عليَّ، فقال النبي ﷺ: «انطلِقوا به فارجُموه». فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلتُ بها الفعلَ، فاعترفَ، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ: الذي وقع عليها، والذي أغاثَها، والمرأة، فقال: «أما أنتِ فقد غُفِر لكِ»، وقال للذي أغاثَها قولًا حسنًا، فقال عمر: ارجُمِ الذي اعترفَ بالزنى، فأبى رسول الله ﷺ؛ فقال: «لا، إنه قد تاب إلى الله». رواه عن محمد بن يحيى بن كثير الحرّاني ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة ثنا أسباط بن نصر عن سِماك، وليس فيه بحمد الله إشكال٣.
فإن قيل: فكيف أمر رسول الله ﷺ برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار؟
(١) في النسختين د، ز، والمطبوع: «بمكروه» تحريف، والتصويب من النسائي. والمعنى: عكَرَ عليها أي حمل عليها فتَسنَّمها وغلبَها على نفسها. انظر: «النهاية» (٣/ ٢٨٣).
(٢) د: «ذو».
(٣) د: «إشكال بحمد الله تعالى».
قيل: هذا من أدلّ الدلائل على اعتبار القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التُّهَم، وهو يُشبِه إقامةَ الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة، وإقامةَ حدّ الزنا بالحبل كما نصَّ عليه عمر١، وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك الصحيح أنه يُقام الحدّ على المتَّهم بالسرقة إذا وُجِد المسروق عنده. فهذا الرجل لما أُدرِك وهو يشتدُّ هربًا وقالت المرأة: هذا هو الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنا منها وأتى إليها وادّعى أنه كان مُغِيثًا لا مُرِيبًا، ولم يرَ أولئك الجماعة غيره، كان في هذا أظهرُ الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يَقْصُر عن الظن المستفاد من شهادة البينة، واحتمال الغلط أو عداوة الشهود كاحتمال الغلط وعداوة المرأة ههنا، بل ظنُّ عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد؛ فنهاية الأمر أن هذا لَوثٌ ظاهر لا يُستبعد ثبوتُ [٣/ب] الحد بمثله شرعًا، كما يُقتل في القسامة باللَّوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع.
فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونُها في نفس الأمر قد تقع غيرَ مطابقةٍ٢ أمرٌ لا يقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام، والبينة لم تكن موجِبةً بذاتها للحد، وإنما ارتباط الحد بها ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يُقاوِمها أو أقوى منها لم يُلغِه الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلًا كالبينة والإقرار.
(١) رواه البخاري (٦٨٢٩) ومسلم (١٦٩١) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) بعدها في د: «أو لا ينضبط»، وعليها علامة الحذف.