وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين٢ جميعًا؛ ففي «مسائل إسماعيل بن سعيد الشَّالَنْجي» التي شرحها السعدي بكتاب سماه «المترجم»٣، قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمرَ من أكمامه، فقال: فيه الثمنُ مرتين وضَرْبُ نكالٍ. قال: وكلُّ من دَرأْنا عنه الحدّ٤ والقَوَدَ أضعفنا عليه الغرم. وقد وافق أحمدَ على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعيُّ.
وهذا محض القياس، ومقتضى قواعد الشرع؛ فإن السَّنة إذا كانت سنة مَجاعةٍ وشدّةٍ غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يَسلَم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسدُّ به رمقَه، ويجب على صاحب٥ المال بذلُ
(١) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٧٤٨)، وفي إسناده يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب لم يدرك عمر؛ فإنه ولد في خلافة عثمان. انظر: «تهذيب الكمال» (٣١/ ٤٣٥).
(٢) كذا في النسختين، ولعلها «الفعلين» يعني: درء الحد وإضعاف الغرم، كما في «محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب» ليوسف بن عبد الهادي (١/ ٣٧٣)، حيث نقل كلام ابن القيم في هذا الفصل دون العزو إليه.
(٣) قال الخلال ذاكرًا الشالنجي: «عنده مسائل كثيرة ما أحسب أن أحدًا من أصحاب أبي عبد الله (أحمد) روى عنه أحسن مما روى هذا، ولا أشبع ولا أكثر مسائل منه، ولم أجد هذه المسائل عند أحدٍ رواها عنه إلا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني». انظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ١٠٤). وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٤/ ٥٤٥) كتابَ «المترجم»، وقال: فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة.
(٤) في هامش د: «الحدود».
(٥) ز: «صاحبي».
ذلك له، إما بالثمن أو مجَّانًا١، على الخلاف في ذلك؛ والصحيح وجوب بذله مجّانًا؛ لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع، وهي٢ أقوى من كثير من الشُّبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازنتَ بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت، فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة، وشبهة القطع به مرة، وشبهة دعوى مِلْكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحِرز بأكل أو احتلاب من الضرع، وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشُّبه الضعيفة جدًّا إلى هذه الشبهة القوية؟ لا سيَّما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسدُّ رمقَه. وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميّز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحدُّ بمن لا يجب عليه، فدُرِئَ. نعم إذا بانَ السارق لا حاجةَ به وهو مستغنٍ عن السرقة قُطِع.
فصل
المثال الرابع: أن النبي ﷺ فرضَ صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أَقِطٍ٣، وهذه كانت غالبَ أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلدٍ أو محلةٍ قُوتُهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قُوتِهم،
(١) د: «ما مجانا».
(٢) ز: «وهو».
(٣) رواه البخاري (١٥٠٦) ومسلم (٩٨٥) من حديث أبي سعيد ﵁.