إعلام الموقعين

بعض ألفاظ هذا الحديث: «صاعًا من طعام»١؛ فيحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنه غالب قُوتِ ذلك البلد. انتهى.

ولا ريبَ أن هذا أقربُ إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه، والله أعلم.

وكذلك حكم ما نصَّ عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها، كنصه على الأحجار في الاستجمار٢، ومن المعلوم أن الخِرَق والقطن والصوف أولى منها بالجواز، وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب٣، والأُشنان أولى منه. هذا فيما عُلِم مقصود الشارع منه، وحصول ذلك المقصود على أتمِّ الوجوه بنظيره وما هو أولى منه.

فصل

المثال السادس: أن النبي ﷺ منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر، وقال: «اصنعي ما يصنع الحاجُّ غيرَ أن لا [٥/أ] تطوفي بالبيت»٤. فظنَّ من ظنّ أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الإحباس لها حتى تطهر وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك، وتمسَّك بظاهر النص، ورأى منافاة

  1. (١) أخرجه مسلم (١٥٢٤) من حديث أبي هريرة.
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) تقدم تخريجه.
  4. (٤) رواه البخاري (١٦٥٠) ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة ﵂.
447

الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام؛ إذ نهيُ الحائض عن الجميع سواء، ومنافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاته لعبادة الصلاة.

ونازعَهم في ذلك فريقان:

أحدهما صحَّحوا الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعًا من صحته، بل جعلوا الطهارة واجبة تُجبَر بالدم، ويصح الطواف بدونها، كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أنصُّهما عنه. وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباطَ الشرط بالمشروط، بل جعلوها واجبةً من واجباته، وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به، يصح فعلُه مع الإخلال بها ويَجبُرها الدم.

والفريق الثاني جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطَها بمنزلة وجوب السترة واشتراطها، بل وبمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتُشترط مع القدرة وتسقط مع العجز. قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظمَ من اشتراطها للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى.

قالوا: وقد كان في زمن النبي١ ﷺ وخلفائه الراشدين يحتبس أمراء الحج للحيَّض حتى يطهُرن ويطُفْن، ولهذا قال النبي ﷺ في شأن صفية وقد حاضت: «أحابستُنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلْتنفِرْ إذًا»٢. وحينئذٍ فكانت الطهارة مقدورةً لها يُمكِنها الطواف بها، فأما في هذه الأزمان

  1. (١) د: «رسول الله».
  2. (٢) رواه البخاري (٤٤٠١) ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة ﵂.
448

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي