وأما التقدير الرابع ــ وهو أن يقال: يسقط عنها فرض الحج إذا خشيت ذلك ــ فهذا وإن كان أفقهَ [٦/أ] مما قبله من التقديرات، فإن الحج يسقط بما هو دون هذا من الضرر، كما لو كان بالطريق أو بمكة خوفٌ، أو أخذ خَفارةً مُجحِفة أو غير مُجحِفة على أحد القولين، أو لم يكن لها محرم، ولكنه ممتنع لوجهين:
أحدهما: أن لازمه سقوط الحج عن كثير من النساء أو أكثرهن؛ فإنهن يخفن من الحيض وخروج الركب قبل الطهر، وهذا باطل؛ فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن بعض شرائطها ولا عن بعض أركانها، وغاية هذه أن تكون عجزَتْ عن شرط أو ركن، وهذا لا يُسقِط المقدور عليه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن: ١٦]، وقال ﷺ: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم»٢. ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان، وما عجز عنه من فروعها أو شروطها سقط عنه؛ والطواف والسعي إذا عجز عنه ماشيًا فعَله راكبًا اتفاقًا، والصبيُّ يفعل عنه وليُّه ما يَعجِز عنه.
الوجه الثاني: أن يُقال: فالكلام فيمن تكلَّفَتْ وحجَّتْ وأصابها هذا العذر، فما يقول صاحب هذا التقدير حينئذٍ؟ فإما أن يقول: تبقى محرِمةً حتى تعود إلى البيت، أو يقول: تتحلَّلُ كالمُحْصَر.
(١) «بعرفة» ساقطة من د.
(٢) رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
وبالجملة فالقول بعدم وجوب الحج على من تخاف الحيض لا يُعلم به قائل، ولا تقتضيه الشريعة؛ فإنها لا تَسقُط مصلحة الحج التي هي من أعظم المصالح لأجل العجز عن أمرٍ غايتُه أن يكون واجبًا في الحج أو شرطًا فيه؛ فأصول الشريعة تُبطِل هذا القول.
فصل
وأما التقدير الخامس ــ وهي أن ترجع وهي على إحرامها ممتنعة من النكاح والوطء إلى أن تعود في العام المقبل، ثم إذا أصابها الحيض رجعت كذلك، وهكذا كل عام ــ فمما تردُّه أصول الشريعة وما اشتملت عليه من الحكمة والمصلحة والرحمة١ والإحسان؛ فإن الله لم يجعل على الأمة مثلَ هذا الحرج، ولا ما هو قريب منه.
فصل
وأما التقدير السادس ــ وهو أنها تتحلّل كما يتحلّل المُحْصَر ــ فهذا أفقه من التقدير الذي قبله؛ فإن هذه منعَها خوفُ المقام من إتمام النسك، فهي كمن منعها عدوٌّ عن الطواف بالبيت بعد التعريف، ولكن هذا التقدير ضعيف، فإن الإحصار أمر عارض للحاج يمنعُه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكنة من البيت ومن الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة، وإذا جُعِلت هذه كالمحصر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذر الموجب للتحلل بالإحصار إذا كان قائمًا به٢ منعَ