أحدهما: دخول الحائض المسجدَ، وقد قال النبي ﷺ: «لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ»١، فكيف بأفضل المساجد؟
الثاني: طوافها في حال الحيض وقد منعها الشارع منه كما منعها من الصلاة، فقال: «اصنَعي ما يصنَعُ الحاجُّ، غير أن لا تطوفي بالبيت»٢. فالذي منعها من الصلاة مع الحيض هو الذي منعها من الطواف معه.
فالجواب عن الأول من أربعة أوجه:
أحدها: أن الضرورة تُبيح دخول المسجد للحائض والجنب؛ فإنها لو خافت العدوَّ أو من يستكرهها على الفاحشة أو أخذ مالها ولم تجد ملجأً إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض، وهذه تخاف ما هو قريب من ذلك؛ فإنها تخاف إن أقامت بمكة أن يؤخذ مالها إن كان لها مال، وإلا أقامت بغيره٣ مضرورةً، وقد تخاف في إقامتها ممن يتعرَّض لها، وليس لها من يدفع عنها.
الجواب الثاني: أن طوافها بمنزلة مرورها في المسجد، ويجوز للحائض المرور فيه إذا أمِنَت التلويثَ، وهي في دورانها حول البيت بمنزلة
(١) رواه أبو داود (٢٣٢) وابن خزيمة (١٣٢٧) من حديث عائشة ﵂. وفي إسناده جسرة بنت دجاجة لم يوثقها إلا ابن حبان في «الثقات» (٢٠٩٧) والعجلي في «الثقات» (٢٠٨٧) والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» - الأم (١/ ٨٦).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) في هامش د: «لعله: بغربة».
مرورها ودخولها من باب وخروجها من آخر؛ فإذا جاز مرورها للحاجة فطوافها للحاجة التي هي١ أعظم من حاجة المرور أولى بالجواز.
يوضحه الوجه الثالث: أن دم الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة، والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجَّمتْ اتفاقًا، وذلك لأجل الحاجة، وحاجة هذه أولى.
يوضحه الوجه الرابع: أن منعها من دخول المسجد للطواف كمنع الجنب؛ فإن النبي ﷺ سوَّى بينهما في تحريم المسجد عليهما، وكلاهما يجوز له الدخول عند الحاجة. وسرُّ المسألة أن قول النبي ﷺ: «لا تطوفي بالبيت» هل ذلك لأن الحائض ممنوعة من المسجد والطوافُ لا يكون إلا في المسجد، أو أن عبادة الطواف لا تصح مع الحيض كالصلاة، أو لمجموع الأمرين، أو لكل واحدٍ من الأمرين؟
فهذه أربعة تقادير، فإن قيل بالمعنى الأول [٧/أ] لم يمنع صحة الطواف مع الحيض، كما قاله أبو حنيفة ومَن وافقه، وكما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وعلى هذا فلا يمتنع الإذن لها في دخول المسجد لهذه الحاجة التي تلتحق بالضرورة، ويُقيَّد بها مطلقُ نهي النبي ﷺ، وليس بأول مطلقٍ قُيِّد بأصول الشريعة وقواعدها. وإن قيل بالمعنى الثاني فغايته أن تكون الطهارة شرطًا من شروط الطواف، فإذا عجزتْ عنها سقط اشتراطها، كما لو انقطع دمها وتعذَّر عليها الاغتسال والتيمم، فإنها تطوف على حسب حالها كما تصلِّي بغير طهور.