وقسم لا يُمكِنها التعوُّضُ عنه ولا تأخيره إلى زمن الطهر، فشرعه لها مع الحيض أيضًا، كالإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه، ومن هذا جواز قراءة القرآن لها وهي حائض؛ إذ لا يُمكِنها التعوُّض عنها زمنَ الطهر؛ لأن الحيض قد يمتدُّ بها غالبه أو أكثره، فلو مُنِعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتها، وربما نَسيتْ ما حفظتْه زمنَ طهرِها. وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين١ وأحد قولي الشافعي.
والنبي ﷺ لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديث «لا تقرأ الحائض والجنُب شيئًا من القرآن»٢ لم يصح؛ فإنه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث، فإنه من رواية إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر.
قال الترمذي٣: لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عيّاش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه يضعِّف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما٤ حديث إسماعيل بن عيّاش عن أهل الشام». انتهى.
(١) ز: «وإحدى الروايتين عن أحمد».
(٢) رواه الترمذي (١٣١) من حديث ابن عمر ﵁، وتكلم عليه المؤلف ونقل كلام الحافظ.
(٣) في «سننه» (١٣١).
(٤) د: «إنما هو». والمثبت موافق لما عند الترمذي.
وقال البخاري أيضًا: إذا حدّث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدّث عن غيرهم ففيه نظر. وقال علي بن المديني: ما كان أحدٌ أعلمَ بحديث أهل الشام من إسماعيل بن عيّاش لو ثبت في حديث أهل الشام، ولكنه خلَّط في حديث أهل العراق، وحدَّثنا عنه عبد الرحمن ثم ضرب على حديثه؛ فإسماعيل عندي ضعيف١. وقال عبد الله بن أحمد: عرضتُ على أبي حديثًا حدثناه الفضل بن زياد الطَّسْتي٢ ثنا ابن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تقرأ الحائض ولا الجنبُ شيئًا من القرآن»، فقال أبي: هذا باطل، يعني أن إسماعيل وهمَ٣.
وإذا لم يصح الحديث لم يبقَ مع المانعين حجة إلا القياس على الجنب، والفرق الصحيح بينها وبين الجنب مانعٌ من الإلحاق، وذلك من وجوه:
أحدها: أن الجنب يُمكِنه التطهر متى شاء بالماء أو بالتراب، فليس له عذر في القراءة مع الجنابة بخلاف الحائض.
والثاني: أن الحائض يُشرع لها الإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه مع الحيض بخلاف الجنب.
الثالث: أن الحائض يُشرع لها أن تشهد العيد مع المسلمين وتعتزل
(١) انظر هذه الأقوال في: «تاريخ بغداد» (٧/ ١٨٦).
(٢) في المطبوع: «الضبي» تحريف. وترجمة الطستي في «تاريخ بغداد» (١٤/ ٣٢٤) ط. بشار.