وقد تنازع من حرَّم عليها القراءة: هل يباح لها أن تقرأ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال؟ على ثلاثه أقوال:
أحدها: المنع مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد؛ لأنها بعد انقطاع الدم تصير كالجُنب.
الثاني: [٨/أ] الجواز مطلقًا، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، قال: وهو ظاهر كلام أحمد.
والثالث: إباحته للنُّفَساء وتحريمه على الحائض، وهو اختيار الخلّال.
فالأقوال الثلاثة في مذهب الإمام٢ أحمد، فإذا لم تُمنَع الحائض من قراءة القرآن لحاجتها إليه فعدمُ منعِها في هذه الصورة عن الطواف الذي هي أشدُّ حاجةً إليه بطريق الأولى والأحرى.
فصل
هذا إذا كان المنع من طوافها لأجل دخول المسجد أو لأجل الحيض ومنافاته للطواف. وإن قيل بالتقدير الثالث وهو أنه لمجموع الأمرين بحيث إذا انفرد أحدهما لم يستقل بالتحريم، أو بالتقدير الرابع وهو أن كلًّا منهما علة مستقلة= كان الكلام على هذين التقديرين كالكلام على التقديرينِ الأولينِ. وبالجملة فلا يمتنع تخصيص العلة لفوات شرط أو لقيام مانع،
(١) رواه البخاري (٩٧٤) ومسلم (٨٩٠) من حديث أم عطية ﵂.
(٢) «الإمام» ليست في د.
وسواء قيل: إن وجود الشرط وعدم المانع من أجزاء العلة أو هو أمر خارج عنها؛ فالنزاع لفظي، فإن أريد بالعلةِ التامةُ فهما من أجزائها، وإن أريد بها المقتضيةُ كانا خارجين عنها.
فإن قيل: الطواف كالصلاة، ولهذا تشترط له الطهارة من الحدث، وقد أشار إلى هذا بقوله في الحديث: «الطواف بالبيت صلاة»١، والصلاة لا تشرع ولا تصح مع الحيض، فهكذا شقيقُها ومُشبِهُها، ولأنها عبادة متعلقة بالبيت، فلم تصح مع الحيض كالصلاة، وعكسه الوقوف بعرفة وتوابعه.
فالجواب: أن القول باشتراط طهارة الحدث للطواف لم يدلَّ عليه نصٌّ ولا إجماع، بل فيه النزاع قديمًا وحديثًا؛ فأبو حنيفة وأصحابه لا يشترطون ذلك، وكذلك الإمام٢ أحمد في إحدى الروايتين عنه.
قال أبو بكر في «الشافي»: باب في الطواف بالبيت غير طاهر، قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب: لا يطوف أحد بالبيت إلا طاهرًا، والتطوع أيسرُ، ولا يقف مشاهدَ الحج إلا طاهرًا. وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه، واختار له أن يطوف وهو طاهر. وقد نصَّ أحمد في إحدى الروايتين عنه على أن الرجل إذا طاف جنبًا ناسيًا صح طوافه ولا دم عليه، وعنه رواية أخرى عليه دم، وثالثة أنه لا يجزئه الطواف.