المسجد، فلم تكن الطهارة شرطًا فيها كالاعتكاف، وقد قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾[البقرة: ١٢٥]، وليس إلحاق الطائفين بالركَّع السجود أولى من إلحاقهم بالعاكفين، بل إلحاقهم بالعاكفين أشبه؛ فإن المسجد شرط في كل منهما بخلاف الركَّع السجود.
فإن قيل: الطائف لا بدّ أن يصلّي ركعتي الطواف، والصلاة لا تكون إلا بطهارة.
قيل: وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قيل بوجوبهما لم تجب الموالاة بينهما وبين الطواف، وليس اتصالهما بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ولو خطب مُحدِثًا ثم توضأ وصلّى الجمعة جاز؛ فجواز طوافه محدِثًا ثم يتوضأ ويصلّي ركعتي الطواف أولى بالجواز، وقد نص الإمام١ أحمد على أنه إذا خطب جنبًا جاز.
فصل
وإذا ظهر أن الطهارة ليست شرطًا في الطواف، فإما أن تكون واجبة وإما أن تكون سنة، وهما قولان للسلف والخلف، ولكن من يقول هي سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول: عليها دم، والإمام٢ أحمد يقول: ليس عليها دم ولا غيره، كما صرَّح به فيمن [٩/ب] طاف جنبًا وهو ناسٍ.
قال شيخنا٣: فإذا طافت حائضًا مع عدم العذر توجَّه القول بوجوب
(١) «الإمام» ليست في د.
(٢) «الإمام» من ز.
(٣) في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢١٤ - ٢١٦).
الدم عليها، وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال عليها دم؛ والأشبه أنه لا يجب الدم؛ لأن الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة لا مع العجز، فإن لزوم الدم إنما يكون مع ترك المأمور أو فِعْل المحظور، وهذه لم تترك مأمورًا في هذه الحال ولا فعلت محظورًا، فإنها إذا رَمَت الجمرة وقصَّرت حلَّ لها ما كان محظورًا عليها بالإحرام غير النكاح؛ فلم يبقَ بعد التحلل الأول محظورٌ يجب بفعله دم، وليست الطهارة مأمورًا بها مع العجز فيجب بتركها دم.
فإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض ممكنًا أُمِرت بطواف القدوم وطواف الوداع، فلمّا سقط عنها طواف القدوم والوداع عُلِمَ أن طوافها مع الحيض غير ممكن.
قيل: لا ريبَ أن النبي ﷺ أسقط طواف القدوم عن الحائض، وأمر عائشة لما قدِمتْ وهي متمتعة فحاضت أن تدَعَ أفعال العمرة وتُحرِم بالحج١، فعُلِم أن الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما، والمحظورات لا تُباح إلا في حال الضرورة، ولا ضرورةَ بها إلى طواف القدوم؛ لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد، ولا إلى طواف الوداع؛ فإنه ليس من تمام الحج، ولهذا لا يودِّع المقيم بمكة، وإنما يودِّع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت٢. فهذان الطوافان أُمِر بهما القادر عليهما إما أمرَ إيجابٍ فيهما أو في أحدهما أو استحبابٍ كما هي أقوال معروفة، وليس واحد منهما ركنًا يقف صحةُ الحج عليه، بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه. وهذا كما يباح لها الدخول إلى المسجد واللُّبث
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه البخاري (١٧٥٥) ومسلم (١٣٢٧) من حديث ابن عباس ﵄.