ﷺ: «من قال في يومٍ١ سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطَّتْ عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر»٢، فلو قال: «سبحان الله وبحمده مائة مرة» لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرةً بعد مرة. وكذلك قوله: «من سبَّح الله دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمِدَه ثلاثًا وثلاثين، وكبَّره ثلاثًا وثلاثين»٣ الحديث؛ لا يكونعاملًا به حتى يقول ذلك مرةً بعد مرة، ولا يجمع الكلَّ بلفظ واحد. وكذلك قوله: «من قال في يومٍ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، كانت له حِرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسي»٤، لا يحصل هذا إلا بقولها مرةً بعد مرة. وهكذا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾[النور: ٥٨]. وهكذا قوله في الحديث: «الاستئذان ثلاثَ مرات، فإن أُذِن لك وإلّا فارجِعْ»٥،
لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة. وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء، كقوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾[التوبة: ١٠١] إنما هو مرةً بعد مرة، وكذا قول ابن عباس ﵁: «رأى محمد ربَّه بفؤاده مرتين»٦ إنما هو مرةً بعد مرة، وكذا قول النبي ﷺ:
(١) د: «يومه».
(٢) رواه البخاري (٦٤٠٥) ومسلم (٢٦٩١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه مسلم (٥٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه البخاري (٣٢٩٣) ومسلم (٢٦٩١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه البخاري (٦٢٤٥) ومسلم (٢١٥٣) واللفظ له، من حديث أبي سعيد ﵁.
(٦) رواه مسلم (١٧٦).
«لا يُلدغ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين»١.
فهذا المعقولُ من اللغة والعرف، فالأحاديث المذكورة وهذه النصوص المذكورة وقولُه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾[البقرة: ٢٢٩] كلُّها من باب واحد ومشكاة واحدة، والأحاديث المذكورة تفسِّر المراد من قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، كما أن حديث اللعان تفسير لقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾[النور: ٦].
فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله، وهذه لغة العرب، وهذا عُرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله ﷺ والصحابة كلهم معه في عصره وثلاثَ سنين من عصر عمر على هذا المذهب؛ فلو عدَّهم العادُّ بأسمائهم واحدًا واحدًا أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها٢، ولو فُرِض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن مُنكِرًا للفتوى به، بل كانوا ما٣ بين مُفْتٍ ومقرٍّ بفتيا وساكتٍ غيرِ مُنكِر.
وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعًا كما ذكره يونس بن بُكَير عن ابن
(١) رواه البخاري (٦١٣٣) ومسلم (٢٩٩٨) من حديث أبي هريرة، ولفظهما: «من حجر واحدٍ مرتين». وبلفظ المصنف رواه ابن ماجه (٣٩٨٢، ٣٩٨٣) من حديث أبي هريرة وابن عمر ﵃.
(٢) جواب حرف الشرط «لو» مفهوم من السياق. وفي المطبوع: «[لوجد] أنهم كانوا ...»، وما بين المعكوفتين ليس في النسخ.