قال المانعون من لزوم الثلاث: النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا ترك الحديث الصحيح المعصوم لمخالفة١ راويه له؛ فإن مخالفته ليست معصومة، وقد قدَّم الشافعي رواية ابن عباس في شأن بَرِيرة٢ على فتواه التي تخالفها في كون بيع الأمة طلاقها٣.
وأخذ هو وأحمد وغيرهما بحديث أبي هريرة «من استقاءَ فعليه القضاء»٤، وقد خالفه أبو هريرة وأفتى بأنه لا قضاء عليه٥.
وأخذوا برواية ابن عباس أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يَرمُلوا الأشواطَ الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين٦، وصح عنه أنه قال: «ليس الرمل بسنة»٧.
وأخذوا٨ برواية عائشة في منع الحائض من الطواف٩، وقد صح
(١) في النسختين د، ز: «مخالفة».
(٢) قصة بريرة عند البخاري (٢٥٣٦) ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة ﵂.
(٣) مضى تخريجه.
(٤) مضى تخريجه.
(٥) رواه البخاري (٤/ ١٧٣ - مع الفتح) وذكر أنه أصح. وهذا الأثر داخل في شرط البخاري، وحكمه صريح في الاتصال، ولأجل هذا لم يرقمه الألباني في تعاليق البخاري، بل جعله من موصولاته رقم (٩٠٨). انظر: «تغليق التعليق» (٣/ ١٧٥) و«مختصر صحيح البخاري» للألباني (١/ ٥٦٥).
(٦) رواه البخاري (١٦٠٢) ومسلم (١٢٦٦) من حديث ابن عباس ﵄.
(٧) رواه أبو داود (١٨٨٥) ولفظه: «قد رمل رسول الله ﷺ، وكذبوا ليس بسنة»، وصححه ابن خزيمة (٢٧٧٩) وابن حبان (٣٨١١). وهو عند مسلم (١٢٦٤) دون قوله: «ليس بسنة».
(٨) د: «وأخذ».
(٩) رواها البخاري (٢٩٤) ومسلم (١٢١١).
عنها أن امرأة حاضت وهي تطوف معها فأتمَّتْ بها عائشة بقية طوافها، رواه سعيد بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بِشْر١ عن عطاء، فذكره٢.
وأخذوا برواية ابن عباس في تقديم الرمي والحلق والنحر بعضها على بعض، وأنه لا حرجَ في ذلك٣، وقد أفتى ابن عباس أن فيه دمًا٤، فلم يلتفتوا إلى قوله وأخذوا بروايته.
وأخذت الحنفية بحديث ابن عباس «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه»، قالوا: وهذا صريح في طلاق المُكرَه، وقد صح عن ابن عباس: ليس لمكرهٍ٥ ولا لمضطَهدٍ طلاق٦.
وأخذوا هم والناس بحديث ابن عمر أنه اشترى جملًا شاردًا بأصح سندٍ يكون٧.
(١) في النسختين د، ز: «أبي بسر». والتصويب من «المحلَّى» (٧/ ١٨٠). واسمه جعفر بن إياس، كما في «التقريب» و«التهذيب» وغيرهما.
(٢) ذكره ابن حزم في المحلى (٧/ ١٨٠).
(٣) رواه البخاري (٨٤) ومسلم (١٣٠٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) رواه ابن أبي شيبة (١٥١٨٨) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٣٨)، وأعله ابن حزم وابن حجر بإبراهيم بن مهاجر، وفيه مقال. انظر: «المحلى» (٧/ ١٨٣) و«فتح الباري» (٣/ ٥٧٢).
(٥) ز: «للمكره».
(٦) حديث ابن عباس المرفوع تقدم تخريجه، وأما قوله الموقوف فعند سعيد بن منصور (١١٤٣) وابن أبي شيبة (١٨٣٣٠)، وفي إسناده عبد الله بن طلحة الخزاعي لم يوثقه سوى ابن حبان في «الثقات» (٧/ ١٢).