واحتجوا هم وغيرهم على المنع من بيع أمهات الأولاد بحديث ابن عباس المرفوع١، وقد صح عنه جواز بيعهن٢؛ فقدَّموا روايته التي لم تثبت على فتواه الصحيحة عنه.
وأخذت الحنابلة وغيرهم بخبر سعيد بن المسيب عن عمر أنه ألحق الولد بأبوين، وقد خالفه سعيد بن المسيّب٣؛ فلم يعتدُّوا بخلافه.
وصح عن عمر وعثمان ومعاوية أن رسول الله ﷺ تمتَّع بالعمرة إلى الحج٤، وصح عنهم النهي عن التمتع٥، فأخذ الناس برواياتهم وتركوا رأيهم.
وأخذ الناس بحديث أبي هريرة في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه»٦. وقد روى سعيد بن منصور في «سننه» عن أبي هريرة أنه قال: ماءانِ لا يُجزِئان في غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام٧.
(١) رواه ابن ماجه (٢٥١٥). وفي إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي وشريك النخعي متكلم فيهما، والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (٦/ ١٨٥).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه عبد الرزاق (١٣٤٧٦) والبيهقي (٧/ ٤١٣).
(٤) الذي فيه إقرار عثمان ﵁ عند مسلم (١٢٢٣)، وأما البخاري فليس فيه ذلك (١٥٦٣، ١٥٦٩). وأما حديث عمر فعند مسلم (١٢٢٢). وأما حديث معاوية فلم أجده.
(٥) قول عثمان عند البخاري (١٥٦٣) ومسلم (١٢٢٣)، وقول عمر ومعاوية عند مسلم (١٢٢٢) و(١٢٢٥) ولاءً.
(٦) مضى تخريجه.
(٧) رواه أبو عبيد في «الطهور» (٢٤٦)، وابن أبي شيبة (١١٥٦)، وفيه راوٍ مبهم.
وأخذت الحنابلة والشافعية بحديث أبي هريرة في الأمر بغَسْل الإناء من ولوغ الكلب١، وقد صح عن أبي هريرة ما رواه سعيد بن منصور في «سننه» أن أبا هريرة سئل عن الحوض يلَغُ فيه الكلب ويشرب منه الحمار، فقال: لا يحرِّم الماءَ شيء٢.
وأخذت الحنفية بحديث علي: «لا زكاةَ فيما زاد على المائتي درهمٍ حتى يبلغ أربعين درهمًا»٣، مع ضعف الحديث بالحسن بن عُمارة، وقد صح عن علي أن ما زاد على المائتين ففيه الزكاة بحسابه، رواه عبد الرزاق٤ عن معمر عن أبي إسحاق السَّبيعي عن عاصم بن ضَمرة عنه.
وهذا باب يطول تتبعُه، وترى كثيرًا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قولَ من قلّده وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما روى لا في قوله، [١٣/ب] فإذا جاء قول الراوي موافقًا لقول من قلّده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخُه، وإلا كان قدحًا في عدالته، فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا، بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض.
(١) مضى تخريجه.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (١٥١٩).
(٣) نقله ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٥٦١) عن الدارقطني. ولم أجده في «سننه».
(٤) برقم (٧٠٧٤)، ورواه أبو داود مرفوعًا (١٥٧٢)، وكلاهما صحيح، كما نقله الترمذي عن شيخه البخاري عقب الحديث (٦٢٠). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٥/ ٢٩١).