المحِلَّ والمحلَّل له». فقال: عبد الله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا، ما أرى الليث سمعه من مِشْرَح بن هَاعان؛ لأن حَيْوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح.
العلة الثالثة: ما ذكرها الجوزجاني في «مُتَرجَمِه»١ فقال: كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا٢.
فأما العلة الأولى فقال محمد بن عبد الواحد المقدسي٣: مِشْرح قد وثّقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد٤، وابن معين أعلم بالرجال من ابن حبان.
قلت: وهو صدوق عند الحفّاظ، لم يتَّهمه أحدٌ البتةَ، ولا أطلقَ عليه أحد من أهل الحديث [١٥/ب] قطُّ أنه ضعيف، ولا ضعَّفه ابن حبان، وإنما قال: يروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يُتابَع عليها؛ فالصواب تركُ ما انفرد به. وانفردَ ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه.
وأما العلة الثانية فعبد الله بن صالح قد صرَّح بأنه سمعه من الليث، وكونه لم يُخرِجه وقتَ اجتماع البخاري به لا يضرُّه شيئًا. وأما قوله: «إن حيوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح» فإنه يريد به أن حيوة بن شُريح المصري من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما روى عن بكر بن عمرو عن
(١) «المترجم» اسم كتاب، وقد سبق التعريف به.
(٢) انظر: «بيان الدليل» (ص ٣٢١).
(٣) الضياء المقدسي في «السنن والأحكام» (٥/ ١٤٤).
(٤) (ص ٢٠٤).
مِشْرح، وهذا تعليل قوي، ويؤكِّده أن الليث قال: «قال مشرح» ولم يقل: «حدثنا»، وليس بلازم؛ فإن الليث كان معاصرًا لمِشْرح وهو في بلده، وطلبُ الليثِ للعلم وجمعُه لم يمنعه أن لا يسمع من مِشْرَح حديثَه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد.
وأما التعليل الثالث فقال شيخ الإسلام١: إنكارُ من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد، وإنما هو لتوهُّم انفراده به عن الليث، وظنِّهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهَّم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه كان ذلك شذوذًا فيه وعلةً قادحة، وهذا لا يتوجَّه ههنا لوجهين:
أحدهما: أنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتب الليث عنه، رويناه من حديث أبي بكر القَطيعي: حدثنا جعفر بن محمد الفِريابي حدثني العباس المعروف بأبي قُرَيق٢ ثنا أبو صالح حدثني الليث به، فذكره. ورواه أيضًا الدارقطني في «سننه»٣: ثنا أبو بكر الشافعي ثنا إبراهيم بن الهيثم أخبرنا أبو صالح، فذكره.
الثاني: أن عثمان بن صالح هذا المصري نفسه٤ روى عنه البخاري في «صحيحه»، وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي، وقال: هو شيخ
(١) في «بيان الدليل» (ص ٣٢١، ٣٢٢).
(٢) في بيان الدليل: «المعروف بابن قريق» وقريق لقب العباس بن إسماعيل بن حماد البغدادي، كما في «الكامل» لابن عدي (٤/ ١١٨)، و«نزهة الألباب» (٢/ ٩٠).