إعلام الموقعين

يقودك اختيارًا إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارةً تُطلِع العالمَ على ما وراءها، وبالله التوفيق.

فصل

فقد تبيَّن أن أمر مسألة من المسائل التي تمنع التحليل، أفتى بها المفتي، وقد قال بها بعض أهل العلم؛ فهي خير من التحليل، حتى لو أفتى المفتي بحِلِّها١ بمجرد العقد من غير وطء، لكان أعذَرَ عند الله من أصحاب التحليل، وإن اشترك كل منهما٢ في مخالفة النص؛ فإن النصوص المانعة من التحليل المصرِّحة بلعن فاعله كثيرة جدًّا، والصحابة والسلف مجمعون عليها، والنصوص المشترطة للدخول لا تبلغ مبلغها، وقد اختلف فيها التابعون؛ فمخالفتها أسهلُ من مخالفة أحاديث التحليل، والحق موافقة جميع النصوص، وأن لا يُترَك منها شيء.

وتأمَّلْ كيف كان الأمر على عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر الصديق من كون الثلاث واحدةً والتحليل ممنوع منه، ثم صار في بقية خلافة عمر الثلاث ثلاث٣ والتحليل ممنوع منه، وعمر من أشدّ الصحابة فيه، وكلهم على مثل قوله فيه، ثم صار في هذه الأزمنة التحليلُ كثيرًا مشهورًا والثلاثُ ثلاث.

وعلى هذا فيمتنع في هذه الأزمنة معاقبةُ الناس بما عاقبَهم به عمر من

  1. (١) «بحلها» ليست في ز.
  2. (٢) د: «كليهما».
  3. (٣) كذا في النسختين مرفوعًا، والسياق يقتضي النصب.
506

وجهين:

أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام، لا سيّما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه، فكيف يُعاقَب من لم يرتكب محرمًا عند نفسه؟ الثاني: أن عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدودًا على عهد الصحابة، والعقوبة إذا تضمَّنتْ مفسدةً أكثر من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحبَّ [١٧/أ] إلى الله ورسوله، ولو فرضنا أن التحليل مما أباحته الشريعة ــ ومعاذَ الله ــ لكان المنع منه إذا وصل إلى هذا الحد الذي قد تفاحش قبحه من باب سدّ الذرائع، وتعيَّن على المفتين والقضاة المنعُ منه جملةً، وإن فُرِض أن بعض أفراده جائز؛ إذ لا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصديق١ وصدر خلافة عمر أولى من الرجوع إلى التحليل، والله الموفق.

فصل

المثال الثامن: ممّا تتغيَّر به الفتوى لتغيُّر العرف والعادة: موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها؛ فمن ذلك أن الحالف إذا حلف «لا ركبتُ دابةً»، وكان في بلدٍ عُرفُهم في لفظ الدابة الحمار خاصةً، اختصَّتْ يمينه به، ولا يحنَث بركوب الفرس ولا الجمل، وإن كان عُرفهم في لفظ الدابة الفرس خاصةً حُمِلت يمينه عليها دون الحمار، وكذلك إن كان الحالف مما٢ عادته ركوب نوع خاص من الدوابّ كالأمراء ومن جرى مجراهم

  1. (١) «الصديق» ليست في د.
  2. (٢) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «ممن».
507

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي