إعلام الموقعين

وجهين:

أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام، لا سيّما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه، فكيف يُعاقَب من لم يرتكب محرمًا عند نفسه؟ الثاني: أن عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدودًا على عهد الصحابة، والعقوبة إذا تضمَّنتْ مفسدةً أكثر من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحبَّ [١٧/أ] إلى الله ورسوله، ولو فرضنا أن التحليل مما أباحته الشريعة ــ ومعاذَ الله ــ لكان المنع منه إذا وصل إلى هذا الحد الذي قد تفاحش قبحه من باب سدّ الذرائع، وتعيَّن على المفتين والقضاة المنعُ منه جملةً، وإن فُرِض أن بعض أفراده جائز؛ إذ لا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصديق١ وصدر خلافة عمر أولى من الرجوع إلى التحليل، والله الموفق.

فصل

المثال الثامن: ممّا تتغيَّر به الفتوى لتغيُّر العرف والعادة: موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها؛ فمن ذلك أن الحالف إذا حلف «لا ركبتُ دابةً»، وكان في بلدٍ عُرفُهم في لفظ الدابة الحمار خاصةً، اختصَّتْ يمينه به، ولا يحنَث بركوب الفرس ولا الجمل، وإن كان عُرفهم في لفظ الدابة الفرس خاصةً حُمِلت يمينه عليها دون الحمار، وكذلك إن كان الحالف مما٢ عادته ركوب نوع خاص من الدوابّ كالأمراء ومن جرى مجراهم

  1. (١) «الصديق» ليست في د.
  2. (٢) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «ممن».
507

حُمِلت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدوابّ؛ فيُفتَى في كل بلد بحسب عُرف أهله، ويُفتَى كل أحد بحسب عادته.

وكذلك إذا حلف «لا أكلتُ رأسًا» في بلدٍ عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة، لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها، وإن كان عادتهم أكل السمك حَنِثَ بأكل رؤوسها.

وكذلك إذا حلف «لا اشتريتُ كذا ولا بعتُه، ولا حرثتُ هذه الأرض ولا زرعتُها» ونحو ذلك، وعادته أن لا يباشر ذلك بنفسه كالملوك، حَنِثَ قطعًا بالإذن والتوكيل فيه، فإنه نفس ما حَلَفَ عليه. وإن كان عادته مباشرةَ ذلك بنفسه كآحاد الناس، فإن قصدَ مَنْع نفسه من المباشرة لم يحنَثْ بالتوكيل، وإن قصدَ عدم الفعل والمنع منه جملةً حنِثَ بالتوكيل، وإن أطلق اعتُبِر سببُ اليمين وبِساطُها وما هيَّجَها.

وعلى هذا إذا أقرَّ الملِكُ أو أغنى أهل البلد لرجلٍ بمال كثير، لم يُقبل تفسيره بالدرهم والرغيف ونحوه مما يُتموَّل، فإن أقرَّ به فقير يُعَدُّ عنده الدرهم والرغيف كثيرًا قُبِلَ منه.

وعلى هذا إذا قيل له: جاريتك أو عبدك يرتكبان الفاحشة، فقال: ليس كذلك، بل هما حرَّانِ لا أعلم عليهما فاحشة؛ فالحق المقطوع به أنهما لا يعتقانِ بذلك، لا في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ فإنه لم يُرِد ذلك قطعًا، واللفظ مع القرائن المذكورة ليس صريحًا في العتق ولا ظاهرًا فيه، بل ولا محتملًا له، فإخراج عبده أو أمته عن ملكه بذلك غير جائز.

508

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي