إعلام الموقعين

حُمِلت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدوابّ؛ فيُفتَى في كل بلد بحسب عُرف أهله، ويُفتَى كل أحد بحسب عادته.

وكذلك إذا حلف «لا أكلتُ رأسًا» في بلدٍ عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة، لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها، وإن كان عادتهم أكل السمك حَنِثَ بأكل رؤوسها.

وكذلك إذا حلف «لا اشتريتُ كذا ولا بعتُه، ولا حرثتُ هذه الأرض ولا زرعتُها» ونحو ذلك، وعادته أن لا يباشر ذلك بنفسه كالملوك، حَنِثَ قطعًا بالإذن والتوكيل فيه، فإنه نفس ما حَلَفَ عليه. وإن كان عادته مباشرةَ ذلك بنفسه كآحاد الناس، فإن قصدَ مَنْع نفسه من المباشرة لم يحنَثْ بالتوكيل، وإن قصدَ عدم الفعل والمنع منه جملةً حنِثَ بالتوكيل، وإن أطلق اعتُبِر سببُ اليمين وبِساطُها وما هيَّجَها.

وعلى هذا إذا أقرَّ الملِكُ أو أغنى أهل البلد لرجلٍ بمال كثير، لم يُقبل تفسيره بالدرهم والرغيف ونحوه مما يُتموَّل، فإن أقرَّ به فقير يُعَدُّ عنده الدرهم والرغيف كثيرًا قُبِلَ منه.

وعلى هذا إذا قيل له: جاريتك أو عبدك يرتكبان الفاحشة، فقال: ليس كذلك، بل هما حرَّانِ لا أعلم عليهما فاحشة؛ فالحق المقطوع به أنهما لا يعتقانِ بذلك، لا في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ فإنه لم يُرِد ذلك قطعًا، واللفظ مع القرائن المذكورة ليس صريحًا في العتق ولا ظاهرًا فيه، بل ولا محتملًا له، فإخراج عبده أو أمته عن ملكه بذلك غير جائز.

508

ومن ذلك ما أخبرني به بعض أصحابنا أنه قال لامرأته: إن أذِنتُ لك في الخروج إلى الحمّام فأنتِ طالق، فتهيَّأت للخروج إلى الحمام، فقال لها: اخرجي وأبصِرِي، فاستفتى بعض الناس، فأفتوه بأنها قد طلقتْ منه، فقال للمفتي: بأي شيء أوقعتَ عليَّ الطلاق؟ قال: بقولك لها اخرجي، فقال: إني لم أقل لها ذلك١ إذنًا، [١٧/ب] وإنما قلتُه تهديدًا، أي: إنك لا يُمكِنكِ الخروج. وهذا كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فهل هذا إذن لهم أن يعملوا ما شاؤوا؟ فقال: لا أدري، أنت لفظتَ بالإذن، فقال له: ما أردتُ الإذن، فلم يفقه المفتي هذا، وغَلُظَ حجابُه عن إدراكه، وفرَّق بينه وبين امرأته بما لم يأذن الله به٢ ورسوله ولا أحد من أئمة الإسلام. وليت شعري هل يقول هذا المفتي: إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] إذنٌ له في الكفر؟ وهؤلاء أبعدُ الناس عن الفهم عن الله ورسوله وعن المطلِّقين مقاصدَهم.

ومن هذا إذا قال العبد لسيده ــ وقد استعمله في عملٍ يَشُقُّ عليه ــ: أعتِقْني من هذا العمل، فقال: أعتقتُك، ولم ينوِ إزالة ملكه عنه، لم يعتق بذلك. وكذلك إذا قال عن امرأته: هذه أختي، ونوى أختي في الدين، لم تحرُمْ بذلك، ولم يكن مظاهرًا. والصريح لم يكن موجِبًا لحكمه لذاته، وإنما أوجبه لأنا نستدلُّ على قصد المتكلم به لمعناه؛ بجريان اللفظ على لسانه اختيارًا؛ فإذا ظهر قصده بخلاف معناه لم يجُزْ أن يلزم بما لم يُرِده، ولا

  1. (١) «ذلك» ليست في ز.
  2. (٢) «به» ليست في ز.
509

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي