إعلام الموقعين

الحالف: «لا والله، وبلى والله»١، في عرض كلامه من غير عقدٍ لليمين.

وكذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق، كقول الحالف في عرض كلامه: عليَّ الطلاقُ لا أفعل، والطلاق يلزمني لا أفعل، من غير قصدٍ لعقد اليمين، بل إذا كان اسم الرب ﷻ لا ينعقد به يمين اللغو فيمينُ الطلاق أولى أن لا ينعقد ولا يكون أعظم حرمة من الحلف بالله. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، وهو الصواب، وتخريجه على نص أحمد صحيح؛ فإنه نصَّ على اعتبار الاستثناء في يمين الطلاق لأنها عنده يمين، ونصَّ على أن اللغو أن يقول: «لا والله، وبلى والله» من غير قصدٍ لعقد اليمين، وقد قال النبي ﷺ: «إن الله ينهاكم أن تَحلِفوا بآبائكم»٢، وصح عنه أنه قال: «أفلحَ وأبيه إن صدق»٣، ولا تعارضَ بينهما، ولم يَعقِد النبي ﷺ اليمينَ بغير الله قطُّ. وقد قال حمزة للنبي ﷺ: «هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي»، وكان نشوانًا٤ من الخمر٥، فلم يكفرْ بذلك. وكذلك الصحابي الذي قرأ: «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون»٦، وكان

  1. (١) قول عائشة رواه البخاري (٦٦٦٣). وانظر لأقوال بعض السلف: «سنن سعيد بن منصور» (٧٧٩، ٧٨٠، ٧٨٣ - التفسير)، و«تفسير الطبري» (٤/ ١٤ - ١٨) و«تفسير ابن أبي حاتم» (٢/ ٤٠٨ - ٤١٠).
  2. (٢) رواه البخاري (٦١٠٨) ومسلم (١٦٤٦) من حديث عمر ﵁.
  3. (٣) رواه مسلم (١١/ ٩) بهذا اللفظ من حديث طلحة بن عبيد الله، وكذلك رواه البخاري (٤٦) ومسلم (١١/ ٨) دون قوله: «وأبيه».
  4. (٤) كذا في النسخ، والكلمة ممنوعة من الصرف.
  5. (٥) رواه البخاري (٣٠٩١) ومسلم (١٩٧٩) من حديث علي ﵁.
  6. (٦) رواه أبو داود (٣٦٧١) والترمذي (٣٠٢٦) وصححه من حديث علي بن أبي طالب. وصححه أيضًا الحاكم (٢/ ٣٠٧).
513

ذلك قبل تحريم الخمر، [١٨/ب] ولم يعُدْ بذلك كافرًا؛ لعدم القصد، وجريانِ اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه.

فإيّاك أن تُهمِل قصد المتكلم ونيته وعُرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتُلزِم الحالفَ والمقرَّ والناذر والعاقد ما لم يُلزِمه الله ورسوله به؛ ففقيه النفس يقول: ما أردتَ، ونصفُ الفقيه يقول: ما قلتَ؛ فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال، وقد رفع الله سبحانه المؤاخذة بهذا وهذا، كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال ربهم ﵎: قد فعلتُ١.

فصل

ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق؛ فإن إلزام الحالف بهما إذا حَنِثَ بطلاق زوجته وعِتْق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة؛ فلا يُحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزامُ الطلاق به أبدًا، وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط، كما في «صحيح البخاري»٢ عن نافع قال: طلَّق رجل امرأته البتةَ إن خرجت، فقال ابن عمر: «إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء». فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلَّق

  1. (١) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.
  2. (٢) معلقًا بصيغة الجزم (٩/ ٣٩٢)، ولم يذكر الحافظ مَن وصَله في «الفتح» ولا في «تغليق التعليق» (٤/ ٤٥٦).
514

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي