بينكما، فذكر القصة، وقال: فأتيتُ ابن عمر فجاء معي فقام بالباب، فلما سلّم قالت: بأبي أنت وأبوك، قال١: أمن حجارةٍ أنتِ أم من حديدٍ؟ أتَتْكِ زينبُ وأرسلتْ إليكِ حفصة! قالت: قد حلفتُ بكذا وكذا، قال: كفِّري عن يمينك وخلِّي بين الرجل وامرأته.
فقد تبيَّن بسياق هذه الطرق انتفاءُ العلة التي أُعِلّ بها حديث ليلى هذا، وهي تفرُّد التيمي فيه بذكر العتق، كذا قال الإمام أحمد: «لم يقل: وكل مملوكٍ لها حرٌّ، إلا التيمي»، وبرئ التيمي من عُهدة التفرد، وقاعدة الإمام أحمد أن ما أفتى به الصحابة لا يُخرَج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه؛ فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه يلزمه القولُ بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته.
فإن قيل: للحديث علة أخرى، وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به، وقد أشار إليها في رواية الأثرم، فقال الأثرم٢: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء حين حلفتْ بكذا وكذا وكلّ مملوكٍ لها حرٌّ، فأُفتِيَتْ بكفارة يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته وأيمانٍ، فقال٣: أما الجارية فتعتق.
قلت: يريد به٤ ما رواه معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبي حاضر، قال: حلفتْ امرأة من آل ذي أَصْبَح فقالت: مالُها في سبيل الله
(١) «قال» ليست في د، ز. والزيادة من مصدر التخريج.
(٢) ذكره شيخ الإسلام في «القواعد النورانية» (ص ٣١٦، ٣١٧) وعنه في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٥٥).
وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا، لشيء يكرهه زوجها، فحلف زوجها أن لا يفعله، فسُئل عن ذلك ابن عباس وابن عمر، فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما [٢٠/أ] قولها: «مالي في سبيل الله» فتتصدق بزكاة مالها١.
فقيل٢: لا ريبَ أنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك، ولكنه أثر معلول تفرَّد به عثمان هذا، وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادًا وأصحُّ من حديث عثمان، فإن رواته حفّاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان. وأما ابن عباس فقد روي عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: يكفِّر يمينه٣. وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة. قال أبو محمد ابن حزم٤: وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين وعن ابن عمر أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء: «كل مملوك لها حرّ، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك» كفارة يمين واحدة.
فإذا صحّ هذا عن الصحابة، ولم يُعلَم لهم مخالف ــ سوى هذا الأثر المعلول أثرِ عثمان بن حاضر٥ ــ في قول الحالف: عبدُه حرٌّ إن فعل، أنه
(١) رواه عبد الرزاق (١٥٩٩٨).
(٢) جواب «فإن قيل».
(٣) ذكره ابن حزم في «المحلى» (٨/ ٨).
(٤) في «المحلَّى» (٨/ ٨).
(٥) كذا هنا «عثمان بن حاضر»، وهو الصواب، وقد غلَّط الإمام أحمد عبد الرزاق في قوله: «عثمان بن أبي حاضر»، وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب»: وهو وهم. انظر: «تهذيب الكمال» (١٩/ ٣٤٩).