إعلام الموقعين

وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا، لشيء يكرهه زوجها، فحلف زوجها أن لا يفعله، فسُئل عن ذلك ابن عباس وابن عمر، فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما [٢٠/أ] قولها: «مالي في سبيل الله» فتتصدق بزكاة مالها١.

فقيل٢: لا ريبَ أنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك، ولكنه أثر معلول تفرَّد به عثمان هذا، وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادًا وأصحُّ من حديث عثمان، فإن رواته حفّاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان. وأما ابن عباس فقد روي عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: يكفِّر يمينه٣. وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة. قال أبو محمد ابن حزم٤: وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين وعن ابن عمر أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء: «كل مملوك لها حرّ، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك» كفارة يمين واحدة.

فإذا صحّ هذا عن الصحابة، ولم يُعلَم لهم مخالف ــ سوى هذا الأثر المعلول أثرِ عثمان بن حاضر٥ ــ في قول الحالف: عبدُه حرٌّ إن فعل، أنه

  1. (١) رواه عبد الرزاق (١٥٩٩٨).
  2. (٢) جواب «فإن قيل».
  3. (٣) ذكره ابن حزم في «المحلى» (٨/ ٨).
  4. (٤) في «المحلَّى» (٨/ ٨).
  5. (٥) كذا هنا «عثمان بن حاضر»، وهو الصواب، وقد غلَّط الإمام أحمد عبد الرزاق في قوله: «عثمان بن أبي حاضر»، وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب»: وهو وهم. انظر: «تهذيب الكمال» (١٩/ ٣٤٩).
521

يُجزئه كفارة يمين، ولم يُلزِموه بالعتق المحبوب إلى الله، فأن لا يُلزِموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى. كيف وقد أفتى علي بن أبي طالب الحالفَ بالطلاق أنه لا شيء عليه، ولم يُعرَف له في الصحابة مخالف؟

قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي١ المعروف بابن بَزِيزة في «شرحه لأحكام عبد الحق»٢: الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه، وقد قدَّمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك: هل يلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضَى بالطلاق على من حلف به بحنث٣، ولا يُعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة. هذا لفظه بعينه.

فهذه فتوى أصحاب رسول الله ﷺ في الحلف بالعتق والطلاق، وقد قدّمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلَّق بالشرط، ولا تعارضَ بين ذلك؛ فإن الحالف لم يقصد وقوعَ الطلاق، وإنما قصد منْعَ نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه، فهو كما لو خصَّ منْعَ نفسه بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال، وكما لو قصد منْعَ نفسه بالتزام ما يكرهه من الكفر، فإن كراهته لذلك كله وإخراجه مُخْرَجَ اليمين بما لا يريد وقوعه منَعَ من ثبوت حكمه. وهذه علة صحيحة فيجب طردها في الحلف بالعتق والطلاق إذ لا

  1. (١) كذا في النسختين، وفي المطبوع: «التميمي»، وكذا في ترجمته في «نيل الابتهاج» (ص ١٧٨).
  2. (٢) سبق ذكر هذا النص، وسمى كتابه هناك «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام».
  3. (٣) سيأتي تخريجها.
522

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي