فهؤلاء من نُقلت عنه١ الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ. وما أدري بأيِّ طريق عَدَّ معهم أبو محمد الغامديةَ وماعزًا، ولعله تخيَّل أنَّ إقدامهما٢ على جواز الإقرار بالزنا من غير استئذان لرسول الله ﷺ في ذلك، هو فتوى لأنفسهما بجواز الإقرار، وقد أُقِرَّا عليها. فإن كان تخيَّل هذا فما أبعده من خيال! أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام.
فصل
وكما أنَّ الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها، فهم سادات المفتين والعلماء.
قال الليث عن مجاهد: العلماء أصحاب [٨/أ] محمد ﷺ٣.
وقال سعيد عن قتادة٤ في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾[سبأ: ٦] قال: أصحاب محمد ﷺ٥.
(١) كذا في جميع النسخ، أفرد الضمير على لفظ "مَن". وفي المطبوع: "عنهم".
(٢) س، ت: "إقرارهما". وكذا كان في ح، ثم صحح في الحاشية. ومقتضى السياق: "إقدامهما على الإقرار بالزنا"، فكأن كلمة "جواز" مقحمة.
(٣) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٤٢٤).
(٤) رواه ابن جرير في "جامع البيان" (١٩/ ٢١٤)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٤٢٢).
(٥) وضعت في ح هنا علامة اللحق، وجاء في الحاشية: "وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ فأولو العلم أصحاب محمد ﷺ". وقد وردت هذه العبارة في متن ف. والتفسير المذكور أخرجه ابن جرير في "جامع البيان" (٢١/ ٢٠٤) عن ابن زيد. وستأتي الآية مع قول آخر في تفسيرها (ص ٣٥).
وقال يزيد بن عَمِيرة١: لما حضر معاذَ بن جبل الموتُ قيل: يا أبا عبد الرحمن أوصِنا. قال: أجلِسوني، إنَّ العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث٢ مرات. التمسوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء٣، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلَام.
وقال مالك بن يَخامِر٤: لما حضرت معاذًا الوفاة٥ بكيتُ، فقال: ما يبكيك؟ قلتُ: والله ما أبكي على دنيا كنت٦ أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلَّمهما منك. فقال: إنّ العلم والإيمان
(١) في جميع النسخ: "عمير"، وهو خطأ. والأثر أخرجه أحمد (٢٢١٠٤) والترمذي ــ وحسَّنه ــ (٣٨٠٤)، والنسائي في "الكبرى" (٨١٩٦). وصححه الحاكم (١/ ٩٨).
(٢) "ذلك" ساقط من ع، و"ثلاث" ساقط من ت.
(٣) ع: "بن أبي الدرداء". وكذا في طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه، وهو خطأ.
(٤) تبع المؤلف شيخَه، انظر: "مجموع الفتاوى" (٤/ ٥٣١)، كما تبعه ابن رشيّق في "أسماء مؤلفات شيخ الإسلام" (ص ٢٨٣) وابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص ٣٩)، إذ نقلوا أثر معاذ من طريق مالك بن يخامر عنه. وسينقله المؤلف مرة أخرى في هذا الكتاب. ولم أجده من روايته في المصادر التي رجعت إليها. وقد رواه عن معاذ جماعة أشهرهم يزيد بن عميرة، وقد تقدّم تخريج أثره آنفًا. وانظر: "تاريخ ابن عساكر" (٢١/ ٤٢٣ - ٤٢٤، ٤٦/ ٤١٠، ٤٧/ ١٢٠ - ١٢١، ٦٥/ ٣٣٩ - ٤٤٠).