إن جاوز الأربعين فسخ، وعنه إلى الخمسين والستين. حكى ذلك كله فضل بن سلمة عن ابن الموَّاز، ثم قال: لأن الأجل الطويل مثل ما لو تزوَّجها إلى موت أو فراق.
قال عبد الملك: وقد أخبرني أصبغ أنه شهد ابنَ وهب وابن القاسم تذاكرا الأجلَ في ذلك، فقال ابن وهب: أرى١ فيه العشر فدون، فما جاوز ذلك فمفسوخ، فقال له ابن القاسم: وأنا معك على هذا، فأقام ابن وهب على رأيه، ورجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى الأربعين وأفسخه فيما فوق ذلك. قال أصبغ: وبه آخذُ ولا أحبُّ ذلك ندبًا٢ إلى العشر ونحوها، وقد شهدتُ أشهب زوَّج ابنته وجعل مؤخَّر مهرها إلى اثنتي عشرة٣ سنة.
قال عبد الملك: وما قَصُرَ٤ من الأجل فهو أفضل، وإن بَعُدَ لم أفسخه إلا أن يجاوز ما قال ابن القاسم، وإن كانت الأربعون في ذلك كثيرةً جدًّا.
قال عبد الملك: وإن كان بعض الصداق مؤخّرًا إلى غير أجلٍ فإن مالكًا كان يفسخه قبل البناء ويُمضيه بعده، ويردُّ٥ المرأةَ إلى صداق مثلها معجّلًا كله٦، إلا أن يكون صداق مثلها أقلَّ من المعجَّل فلا ينقص منه، أو أكثر من
(١) كذا في النسختين. وفي «عقد الجواهر»: «رأيي».
(٢) كذا في النسختين. وفي «عقد الجواهر»: «بدءًا».
(٣) في النسختين: «اثني عشرة».
(٤) ز: «قضى»، تحريف.
(٥) كذا في النسختين. وفي «عقد الجواهر»: «وترد» بفقرة مستقلة، والصواب اتصالها بما قبلها، والضمير في «يردّ» لمالك.
(٦) في النسختين: «كليهما». والتصويب من «عقد الجواهر».
المعجّل والمؤجّل فيوفي تمام ذلك، إلا أن يرضى الناكح بأن يجعل المؤخر معجلًا كله مع النقد، فيُمضِي النكاح ولا يفسخ لا قبل البناء ولا بعده، ولا تُردُّ المرأة إلى صداق مثلها. ثم أطالوا بذكر فروع تتعلق بذلك.
والصحيح ما عليه أصحاب رسول الله ﷺ من صحة التسمية وعدم تمكين المرأة من المطالبة به إلا بموت أو فرقة، حكاه الليث إجماعًا منهم، وهو محض القياس والفقه، فإن المطلَق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكّة والصفة والوزن، والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلا بالموت أو الفراق، فجرت العادة مجرى الشرط كما تقدّم ذكر الأمثلة بذلك.
وأيضًا فإن عقد النكاح يخالف سائر العقود، ولهذا نافاه التوقيت المشترط في غيره من العقود على المنافع، بل كانت جهالة مدة بقائه غير مؤثِّرةٍ في صحته، والصداق عوضُه ومقابلُه؛ فكانت جهالة مدته غير مؤثِّرة في صحته، فهذا محض القياس.
ونظير هذا لو آجره كلَّ شهر بدرهم فإنه يصح وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة تبعًا لمدة الإجارة؛ وقد صحّ [٢٨/أ] عن علي بن أبي طالب ﵁١ أنه آجَر نفسَه كلّ دلوٍ بتمرة، وأكل النبي ﷺ من ذلك التمر٢. وقد قال النبي ﷺ: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو
(١) ز: «كرم الله وجهه».
(٢) رواه أحمد (١١٣٥) من حديث مجاهد عن علي ﵁، وفي إسناده انقطاع؛ لأن مجاهدًا لم يسمع من علي. ورواه ابن ماجه (٢٤٤٦) من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناد حنش متكلم فيه. وانظر: «الإرواء» (٥/ ٣١٣).