إعلام الموقعين

والزيادة من إحسانه.

وذكرتَ نظرك في الكتب التي بعثتُ بها إليك وإقامتك إياها وختمك عليها بخاتمك، وقد أتتنا فجزاك الله عما قدَّمتَ منها خيرًا، فإنها كتب انتهت إلينا عنك فأحببتُ أن أبلغَ حقيقتها بنظرك فيها.

وذكرتَ أنه قد أنشطك ما كتبتُ إليك فيه من تقويمِ ما أتاني عنك= إلى ابتدائي بالنصيحة، ورجوتَ أن يكون لها عندي موضع، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون رأيك فينا جميلًا، إلا أني لم أُذاكرك مثلَ هذا.

وأنه بلغَك أني أُفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأني يَحِقُّ عليَّ الخوف على نفسي لاعتمادِ مَن قبلي على ما أفتيتُهم به، وأن الناس تبعٌ لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن.

وقد أصبتَ بالذي كتبتَ به من ذلك إن شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي تحبُّ، وما أجد أحدًا قد يُنسَب إليه العلم أكرهَ لشواذِّ الفتيا ولا أشدَّ تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مَضَوا ولا آخَذَ لفتياهم فيما اتفقوا عليه= منّي، والحمد لله رب العالمين لا شريك له.

وأما ما ذكرتَ من مُقام رسول الله ﷺ بالمدينة، ونزول القرآن عليه بين ظَهْرَي أصحابه، وما علَّمهم الله منه، وأن الناس صاروا به تبعًا لهم فيه١ = فكما ذكرتَ.

وأما ما ذكرتَ من قول الله ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ

  1. (١) «فيه» ليست في ز.
557

تَجْرِي تَحْتَهَا١ الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وإن٢ كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاءَ مرضاة الله، فجنَّدوا [٢٨/ب] الأجناد، واجتمع إليهم الناس، فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه، ولم يكتُموهم شيئًا علِموه.

وكان في كل جندٍ منهم طائفة يعلِّمون لله كتابَ الله وسنة نبيه، ويجتهدون رأيَهم فيما لم يفسِّره لهم القرآن والسنة، ويُقوِّيهم٣ عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجنادهم ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه، فلم يتركوا أمرًا فسّره القرآن أو عمل به النبي ﷺ أو ائتمروا فيه بعده إلا علَّموهموه.

فإذا جاء أمر عمِلَ فيه أصحاب رسول الله ﷺ بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قُبِضوا لم يأمروهم بغيره، فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يُحدِثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفُهم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم.

مع أن أصحاب رسول الله ﷺ قد اختلفوا بعدُ في الفتيا في أشياء كثيرة، ولولا أني قد عرفتُ أن قد علمتَها كتبتُ بها إليك، ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله ﷺ سعيد بن المسيب ونظراؤه أشدَّ الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم فحضرتهم بالمدينة وغيرها،

  1. (١) في النسختين و«المعرفة»: «من تحتها»، وهي قراءة ابن كثير، وبها كان يقرأ الشافعي.
  2. (٢) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «فإن».
  3. (٣) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «ويقومهم».
558

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي