أمر الناس، فكتب إليه رُزَيق بن الحكم١: إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمينِ صاحب الحق، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة٢، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك؛ فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين. ولم يجمع بين المغرب والعشاء قطُّ ليلة المطر، والسماء تسكُب عليه في منزله الذي كان فيه بخُنَاصِر٣ ساكنًا.
ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صَدُقات النساء أنها متى شاءت أن تتكلم في مؤخر صداقها تكلَّمت فدُفِع إليها، وقد وافق أهلُ العراق أهلَ المدينة على ذلك وأهلُ الشام وأهلُ مصر، ولم يقضِ أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا مَن بعده٤ لامرأة بصداقها المؤخَّر إلا أن يفرِّق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقِّها.
ومن ذلك قولهم في الإيلاء: إنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف وإن مرَّت الأربعة الأشهر، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر ــ وهو الذي كان يروى عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر ــ أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر الله في كتابه: لا يحلُّ للمُولِي إذا بلغ الأجل إلا أن يفيء كما أمر الله أو يعزم
(١) كذا في النسختين و«المعرفة». والصواب: «حُكَيم أو حَكِيم»، كما في «التهذيب» وفروعه و«الإكمال» (٤/ ٤٧).
(٢) د: «بالمدينة بذلك».
(٣) كذا في النسخ. وفي «تاريخ ابن معين»: «بخناصرة». قال في «معجم البلدان» (٢/ ٣٩٠): «خناصرة» بليدة من أعمال حلب تحاذي قنَّسرين نحو البادية.
(٤) كذا في النسخ. وفي «المعرفة» و«تاريخ ابن معين»: «بعدهم».
الطلاق١، وأنتم تقولون: إن لبِثَ بعد الأربعة الأشهر التي سمَّى الله في كتابه ولم يوقف لم يكن عليه طلاق، وقد بلغنا أن عثمان بن عفّان وزيد بن ثابت وقَبِيصة بن ذؤيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قالوا في الإيلاء: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة٢. وقال سعيد بن المسيّب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابن شهاب: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة، وله الرجعة في العدة٣.
ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملَّك الرجل امرأتَه فاختارت زوجها فهي تطليقة، وإن طلَّقت نفسها ثلاثًا فهي تطليقة٤. وقضى بذلك عبد الملك بن مروان، وكان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقوله، وقد كاد الناس يجتمعون على أنها إن اختارت زوجها لم يكن فيه طلاق، وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين كانت له عليها الرجعة، وإن طلَّقت نفسها ثلاثًا بانت [٢٩/ب] منه، ولم تحلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره فيدخل بها
ثم
(١) رواه البخاري (٥٢٩٠) من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر ﵄.
(٢) قول عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبي سلمة بن عبد الرحمن عند عبد الرزاق (١١٦٣٨) والدارقطني (٤٠٤٤)، وأما قول قبيصة بن ذؤيب فعند عبد الرزاق (١١٦٥١).
(٣) قول أبي بكر بن عبد الرحمن والزهري عند عبد الرزاق (١١٦٥١)، وكذلك قول ابن المسيب (١١٦٥٢).
(٤) روى عبد الرزاق (١١٩١٧) عن القاسم بن محمد عن زيد بن ثابت أنه قال في رجل جعل أمر امرأته بيدها فطلقت نفسها ثلاثًا قال: هي واحدة. وروى ابن أبي شيبة (١٨٤٠٢) من طريق جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم عن زاذان عن علي، وفيه: أرسل إلى زيد بن ثابت، فسأله؟ فقال: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة.