ونقل عن أحمد ما يقتضي أن الاعتبار بالسر إذا ثبت أن العلانية تَلجِئةٌ، فقال: إذا كان رجل قد أظهر صداقًا وأسرَّ غير ذلك نُظِر في البينات والشهود، وكان الظاهر أوكدَ، إلا أن تقوم بينة تدفع العلانية. قال القاضي: وقد تأوَّل أبو حفص العكبري هذا على أن بينة السر عدول وبينة العلانية غير عدول، فحكم بالعدول. قال القاضي: وظاهر هذا أنه حكم بنكاح السر إذا لم تقم بينة عادلة بنكاح العلانية.
وقال أبو حفص: إذا تكافأت البينات وقد شرطوا في السر أن الذي يظهر في العلانية الرياء والسمعة، فينبغي لهم أن يَفُوا له بهذا الشرط ولا يطالبوه بالظاهر؛ لقول النبي ﷺ: «المؤمنون على شروطهم»١. قال القاضي: وظاهر هذا الكلام من أبي حفص أنه قد جعل للسرّ حكمًا. قال: والمذهب على ما ذكرناه.
قال شيخنا ﵁٢: كلام أبي حفص الأول فيما إذا قامت البينة بأن النكاح عُقِد في السر بالمهر القليل، ولم يثبت نكاح العلانية، وكلامه الثاني فيما إذا ثبت نكاح العلانية، ولكن تشارطوا إنما يظهرون الزيادة على ما اتفقوا عليه للرياء والسمعة.
قال شيخنا ﵁٣: وهذا الذي ذكره أبو حفص أشبه بكلام
الإمام
(١) تقدم تخريجه، ولا يوجد في لفظ الحديث: «المؤمنون على شروطهم». انظر: «إرواء الغليل» (٥/ ٢٥٠).
(٢) «﵁» من د. والنص في «بيان الدليل» (ص ١١٧).
(٣) «﵁» من د.
أحمد وأصوله؛ فإن عامة كلامه في هذه المسألة إنما هو إذا اختلف الزوج والمرأة ولم تثبت بينةٌ ولا اعتراف أن مهر العلانية سمعة، بل شهدت البينة أنه تزوجها بالأكثر، وادّعى عليه ذلك، فإنه يجب أن يؤخذ بما أقرَّ به إنشاءً أو إخبارًا؛ فإذا أقام شهودًا يشهدون أنهم تراضوا بدون ذلك [حُكِمَ]١ بالبينة الأولى؛ لأن٢ التراضي بالأقلِّ في وقت لا يمنع التراضي بما زاد عليه في وقت آخر. ألا ترى أنه قال: آخذُ بالعلانية لأنه قد أشهد على نفسه، وينبغي لهم أن يَفُوا بما كان أسرّه؛ فقوله «لأنه قد أشهدَ على نفسه» دليل على أنه إنما يلزمه في الحكم فقط، وإلا فما٣ يجب بينه وبين الله لا يُعلَّل بالإشهاد. وكذلك قوله «ينبغي لهم أن يَفُوا له، وأما هو فيؤخذ بالعلانية» دليل على أنه يحكم عليه به، وأن أولئك يجب عليهم الوفاء. وقوله «ينبغي» يستعمل في الواجب أكثر مما يستعمل في المستحب، ويدل على ذلك أنه قد قال أيضًا في امرأة تزوجت في العلانية على ألف وفي السر على خمسمائة، فاختلفوا في ذلك: فإن كانت البينة في السر والعلانية سواء أُخِذ بالعلانية لأنه أحوط، وهو فرج يؤخذ بالأكثر، وقُيِّدت المسألة بأنهم اختلفوا وأنّ كلاهما٤ قامت به بينة عادلة.
وإنما يظهر ذلك بالكلام في الصورة الثانية: وهو ما إذا تزوَّجها في السر
(١) هنا بياض في النسختين، واستُدرك من «بيان الدليل».
(٢) في النسختين: «البينة الأولى أن». والتصويب من «بيان الدليل».
(٣) ز: «فيما».
(٤) كذا في النسختين بالألف، وهو أسلوب شيخ الإسلام فيما وصل إلينا بخطه من الكتب.