يبيعه من يهودي أو نصراني أو من يتخذه خمرًا فقد تقحَّم النارَ على بصيرةٍ»١. ذكره أبو عبد الله ابن بطَّة٢.
ومن لم يراعِ القصد في العقد لم ير بذلك بأسًا، وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات٣ كما هي معتبرة في التقربات والعبادات؛ فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالًا وحرامًا، وصحيحًا وفاسدًا، وطاعة ومعصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة، وصحيحة أو فاسدة.
ودلائل هذه القاعدة تفوت الحصر، فمنها قوله تعالى في حق الأزواج إذا طلَّقوا أزواجهم طلاقًا رجعيًّا: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾[البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾[البقرة: ٢٣١]، وذلك نص في أن الرجعة إنما ملَّكها الله سبحانه لمن قصد الصلاح دون مَن قصد الضرار.
(١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٥٣٥٦)، وفي إسناده الحسن بن مسلم المروزي، قال فيه أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (٣/ ٣٦): لا أعرفه، وحديثه يدل على الكذب. وقال الذهبي في «الميزان» (١/ ٥٢٣): أتى بخبر موضوع في الخمر.
(٢) لعله ذكره في «تحريم الخمر» له، وهو من كتبه المفقودة.
(٣) ز: «العبادات».
المأذون فيه١ إنما يباح إذا ظنّا أن يقيما حدود الله.
وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾[النساء: ١٢]، فإنما قدّم الله سبحانه الوصية على الميراث إذا لم يَقصد بها الموصي الضرارَ؛ فإن قصده فللورثة إبطالُها وعدم تنفيذها. وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾[البقرة: ١٨٢]، فرفع الإثم عمن أبطل الجنف والإثم من وصية الموصي، ولم يجعلها بمنزلة نص الشارع الذي تحرم مخالفته.
وكذلك الإثم مرفوع عمن أبطل من شروط الواقفين ما لم يكن إصلاحًا، وما كان فيه جنفٌ أو إثم، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يجعل هذا الشرط الباطل المخالف لكتاب الله بمنزلة نص الشارع، ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام، بل قد قال إمام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه: [٣٣/أ] «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرطٍ، كتابُ الله أحقُّ، وشرط الله أوثقُ»٢. فإنما ينفذ من شروط الواقفين ما كان لله طاعةً، وللمكلف مصلحةً، وأما ما كان بضد ذلك فلا حرمة له، كشرط التعزُّب والترهُّب المضاد لشرع الله ودينه؛ فإنه سبحانه فتح للأمة باب النكاح بكل طريق، وسدَّ عنهم باب السفاح بكل طريق، وهذا الشرط الباطل مضادٌّ لذلك؛ فإنه يسدُّ على من التزمه باب النكاح، ويفتح له باب الفجور، فإن لوازم البشرية تتقاضاها الطباع أتمَّ تقاضٍ، فإذا سدّ عنها مشروعها فتحت لها
(١) «فيه» ليست في د.
(٢) رواه البخاري (٢١٥٥) ومسلم (١٥٠٤/ ٦) من حديث عائشة ﵂.