إعلام الموقعين

كان بإذنه اتفاقًا، وإن كان بغير إذنه ففيه النزاع المعروف؛ فصورة العقد واحدة، وإنما اختلف الحكم بالنية والقصد.

ومن ذلك١ أن الله سبحانه حرَّم أن يدفع الرجل إلى غيره مالًا ربويًّا بمثله على وجه البيع إلا أن يتقابضا، وجوَّز دفعه بمثله على وجه القرض، وقد اشتركا في أن كلًّا منهما يدفع ربويًّا ويأخذ نظيره، وإنما فرَّق بينهما القصدُ؛ فإن مقصود القرض إرفاق المقترض ونفعه، وليس مقصوده المعاوضة والربح، ولهذا كان القرض شقيقَ العارية كما سماه رسول الله ﷺ «منيحةَ الورِق»٢، فكأنه أعاره الدراهمَ ثم استرجعها منه، لكن لم يمكن استرجاع العين فاسترجع المثل. وكذلك لو باعه درهمًا بدرهمين كان ربًا صريحًا، ولو باعه إياه بدرهم ثم وهبه درهمًا آخر جاز، والصورة واحدة، وإنما فرَّق بينهما القصدُ، فكيف يمكن أحدًا أن يلغي القصودَ في العقود ولا يجعل لها اعتبارًا؟

فصل

فإن قيل: قد أطلتم الكلام في مسألة القصود في العقود، ونحن نحاكمكم إلى القرآن والسنة وأقوال الأئمة، قال الله تعالى حكاية عن نبيه نوح: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١]، فرتَّب الحكم على ظاهر إيمانهم، [٣٤/أ]

  1. (١) كما في «بيان الدليل» (ص ٩٩، ١٠٠).
  2. (٢) رواه أحمد (١٨٦٦٥) والترمذي (١٩٥٧) من حديث البراء، وصححه الترمذي وابن حبان (٥٠٩٦).
582

وردَّ علمَ ما في أنفسهم إلى العليم بالسرائر سبحانه، المتفرد بعلم ذات الصدور وعلْمِ ما في النفوس من علم الغيب، وقد قال تعالى لرسوله: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقد قال النبي ﷺ: «إني لم أُومر أن أنقِّب عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونَهم»١، وقد قال النبي ﷺ: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله»٢. فاكتفى منهم بالظاهر، ووكَلَ سرائرهم إلى الله، وكذلك فعل٣ بالذين تخلَّفوا عنه واعتذروا إليه، قَبِلَ منهم علانيتهم، ووكَلَ سرائرهم إلى الله ﷿. وكذلك كانت سيرته في المنافقين: قبول ظاهر إسلامهم، ويكِلُ سرائرهم إلى الله ﷿، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ولم يجعل لنا علمًا بالنيات والمقاصد تتعلق الأحكام الدنيوية بها، فقولنا لا علم لنا به.

قال الشافعي٤: فرض الله سبحانه على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر شيئًا، وأولَى أن لا يتعاطَوا حكمًا على غيب أحدٍ بدلالة ولا ظن؛ لقصور علمهم عن علم أنبيائه الذين فرض عليهم الوقوف عما ورد

  1. (١) جزء من حديث رواه البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤/ ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
  2. (٢) رواه البخاري (١٣٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه مسلم (٢١/ ٣٥) من حديث جابر ﵁.
  3. (٣) «فعل» ليست في ز.
  4. (٤) في «إبطال الاستحسان» ضمن كتاب «الأم» (٩/ ٥٩ وما بعدها).
583

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي