إعلام الموقعين

أظهر نصرانية أو يهودية أو دينًا يُظهِر كالمجوسية استتبتُه، فإن أظهر التوبة [٣٥/أ] قبلتُ١ منه، ومن رجع إلى دينٍ خفيةً٢ لم أستتبه، وكلٌّ قد بدَّل دين الحق ورجع إلى الكفر، فكيف يُستتاب بعضهم ولا يستتاب بعض؟

فإن قال٣: لا أعرف توبة الذي يُسِرُّ دينه، قيل: ولا يعرفها إلا الله، وهذا ــ مع خلافه حكم الله ثم رسوله ــ كلام محال. يُسأل من قال هذا: هل تدري لعل الذي كان أخفى الشرك يصدق بالتوبة، والذي كان أظهر الشرك يكذب بالتوبة٤؟ فإن قال: نعم، قيل: فتدري لعلك قتلتَ المؤمن الصادق الإيمان واستحييت الكاذب بإظهار الإيمان؟ فإن قال: ليس عليَّ إلا الظاهر، قيل: فالظاهر فيهما واحد وقد جعلته اثنين بعلة محالة. والمنافقون على عهد رسول الله ﷺ لم يُظهروا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية، بل كانوا يستسرُّون بدينهم، فيقبل منهم ما يظهرون من الإيمان، فلو كان قائل هذا القول حين خالف السنة أحسن أن يقول شيئًا له وجه، ولكنه يخالفها ويعتلُّ بما لا وجه له، كأنه يرى أن اليهودية والنصرانية لا تكون إلا بإتيان الكنائس، أرأيت إذا كانوا ببلادٍ لا كنائسَ فيها أمَا يصلُّون في بيوتهم فتخفى صلاتهم على غيرهم؟

قال: وما وصفتُ٥ من حكم الله ثم حكم رسوله في المتلاعنين يُبطِل

  1. (١) د: «قبل». والمثبت موافق لما في «الأم».
  2. (٢) في «الأم»: «يخفيه».
  3. (٣) الكلام متصل بما قبله في «الأم».
  4. (٤) د، ز: «التوبة». والمثبت موافق لما في «الأم».
  5. (٥) ز: «وصف».
588

حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع، وإذا بطل الأقوى من الدلائل بطل الأضعفُ من الذرائع كلِّها، وبطل الحد في التعريض بالقذف، فإن من الناس من يقول: إذا تشاتم الرجلان فقال أحدهما: «ما أنا بزانٍ ولا أمي زانية» حُدَّ؛ لأنه إذا قاله على المشاتمة فالأغلب أنه إنما يريد به قذفَ أمِّ الذي يشاتم وأبيه١. وإن قاله على غير المشاتمة لم أحدَّه إذا قال: «لم أُرِد القذف»، مع إبطال رسول الله٢ ﷺ حكمَ التعريض في حديث الفزاري الذي ولدت امرأته غلامًا أسود.

فإن قال قائل: فإن عمر حدَّ في التعريض في مثل هذا٣.

قيل: استشار أصحابه، فخالفه بعضهم٤، ومع من خالفه ما وصفنا من الدلالة. ويبطُل مثله [من]٥ قول الرجل لامرأته: «أنت طالق البتة»، لأن الطلاق إيقاع طلاق ظاهر، والبتةُ تحتمل زيادة في عدد الطلاق وغير زيادة، والقول قوله في الذي يحتمل غير الظاهر، حتى لا يُحكم عليه أبدًا إلا بظاهر، ويجعل القول قوله في غير الظاهر.

  1. (١) في النسختين: «قذف أم الذي يشاتمه وأمه». وشطب على «أم» في د. والتصويب من «الأم».
  2. (٢) د: «النبي».
  3. (٣) رواه عبد الرزاق (١٣٧٠٣).
  4. (٤) يشير إلى ما رواه مالك (٢/ ٨٢٩) وابن أبي شيبة (٢٨٩٦٥) واللفظ له عن عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: استبّ رجلان، فقال أحدهما: ما أمي بزانية، وما أبي بزان، فشاور عمر القوم، فقالوا: مدح أباه وأمه، فقال: لقد كان لهما من المدح غير هذا فضربه. فيه انقطاع؛ لأن عمرة لم تدرك عمر ﵁.
  5. (٥) من «الأم».
589

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي