إعلام الموقعين

في الحكم بين الفريقين، والقضاء الفَصْل بين المتغالبين، ولْيُبطِل الحجج والأدلّة من أحد الجانبين، ليسلَم له قول إحدى الطائفتين، وإلا فيلزم حدَّه، ولا يتعدَّى طورَه، ولا يمدُّ إلى العلم الموروث عن رسول الله ﷺ باعًا يقصُر عن الوصول إليه، ولا يتَّجر بنقدٍ زائف لا يَرُوج عليه. ولا يتمكَّن من الفصل بين المقالتين إلا من تجرَّد لله مسافرًا بعزْمةٍ وهمَّةٍ إلى مطلع الوحي، مُنزِلًا نفسه منزلةَ من يتلقاه غضًّا طريًّا من في رسول الله ﷺ، يَعرِض عليه آراء الرجال ولا يَعرِضه عليها، ويحاكمها إليه ولا يحاكمه إليها.

فنقول ــ وبالله التوفيق ــ: إن الله تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفًا ودلالةً على ما في نفوسهم، فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئًا عرَّفه بمراده وما في نفسه بلفظه، ورتَّب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ، ولم يرتِّب تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يُرِدْ معانيها ولم يُحِطْ بها علمًا، بل تجاوزَ للأمة عما حدَّثتْ به أنفسَها ما لم تكلَّم به أو تعمل به١، وتجاوزَ لها عما تكلَّمتْ به مخطئةً أو ناسيةً أو مُكرَهةً٢ أو غير عالمة به، إذا لم تكن مريدةً لمعنى ما تكلَّمتْ به وقاصدةً إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتَّب الحكم.

هذه قاعدة الشريعة، وهي من [٣٦/أ] مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته، فإن خواطر القلوب وإرادات النفوس لا تدخل تحت الاختيار، فلو

  1. (١) رواه البخاري (٦٦٦٤) ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) سيأتي تخريجه قريبًا.
592

ترتَّبت عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرجٍ ومشقّةٍ على الأمة، ورحمة الله سبحانه وحكمته تأبى ذلك. والغلط والسهو والنسيان وسبْقُ اللسان بما لا يريده العبد بل يريد خلافه والتكلُّم به مُكرَهًا وغيرَ عارفٍ لمقتضاه من لوازم البشرية، لا يكاد ينفكُّ الإنسان من شيء منه؛ فلو رُتِّب عليه الحكم لحَرِجت الأمة وأصابها غايةُ العَنَت والمشقة؛ فرفع عنها المؤاخذة بذلك كلّه، حتى الخطأ في اللفظ من شدة الفرح والغضب والسُّكْر كما تقدمت شواهده، وكذلك الخطأ والنسيان والإكراه والجهل بالمعنى وسبق اللسان بما لم يُرِده والتكلُّم في الإغلاق ولغو اليمين؛ فهذه عشرة أشياء لا يؤاخذ الله عبده بالتكلم في حال منها؛ لعدم قصده وعَقْدِ قلبه الذي يؤاخذ به.

أما الخطأ من شدة الفرح فكما في الحديث الصحيح حديث فرح الربّ بتوبة عبده، وقول الرجل: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة الفرح١.

وأما الخطأ من شدة الغضب فكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله حالَ الغضب، لو أجابه الله لأهلكَ الداعي ومن دعا عليه، فقضي إليه أجله، وقد قال جماعة من الأئمة: الإغلاق الذي منع النبي ﷺ من وقوع الطلاق والعتاق فيه هو الغضب٢. وهذا كما قالوه؛ فإن للغضب سُكرًا كسكرِ الخمر أو أشدّ.

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) تقدم توثيق تفسير الآية وتفسير الإغلاق.
593

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي