ترتَّبت عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرجٍ ومشقّةٍ على الأمة، ورحمة الله سبحانه وحكمته تأبى ذلك. والغلط والسهو والنسيان وسبْقُ اللسان بما لا يريده العبد بل يريد خلافه والتكلُّم به مُكرَهًا وغيرَ عارفٍ لمقتضاه من لوازم البشرية، لا يكاد ينفكُّ الإنسان من شيء منه؛ فلو رُتِّب عليه الحكم لحَرِجت الأمة وأصابها غايةُ العَنَت والمشقة؛ فرفع عنها المؤاخذة بذلك كلّه، حتى الخطأ في اللفظ من شدة الفرح والغضب والسُّكْر كما تقدمت شواهده، وكذلك الخطأ والنسيان والإكراه والجهل بالمعنى وسبق اللسان بما لم يُرِده والتكلُّم في الإغلاق ولغو اليمين؛ فهذه عشرة أشياء لا يؤاخذ الله عبده بالتكلم في حال منها؛ لعدم قصده وعَقْدِ قلبه الذي يؤاخذ به.
أما الخطأ من شدة الفرح فكما في الحديث الصحيح حديث فرح الربّ بتوبة عبده، وقول الرجل: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة الفرح١.
وأما الخطأ من شدة الغضب فكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾[يونس: ١١]، قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله حالَ الغضب، لو أجابه الله لأهلكَ الداعي ومن دعا عليه، فقضي إليه أجله، وقد قال جماعة من الأئمة: الإغلاق الذي منع النبي ﷺ من وقوع الطلاق والعتاق فيه هو الغضب٢. وهذا كما قالوه؛ فإن للغضب سُكرًا كسكرِ الخمر أو أشدّ.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم توثيق تفسير الآية وتفسير الإغلاق.
وأما السكران فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾[النساء: ٤٣]، فلم يرتِّب على كلام السكران حكمه حتى يكون عالمًا بما يقول؛ ولذلك أمر النبي ﷺ رجلًا يَسْتَنكه المقرَّ بالزنا ليعلم هل هو عالم بما يقول أم غير عالم بما يقول، ولم يؤاخذ حمزة بقوله في حال السكر: «هل أنتم إلّا عبيد لأبي»، ولم يكفّر من قرأ في حال سكره في الصلاة: «لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون»١.
وأما الخطأ والنسيان فقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾[البقرة: ٢٨٦]، وقال الله ﷿: «قد فعلتُ»٢. وقال النبي ﷺ: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه»٣.
وأما المُكْرَه فقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾[النحل: ١٠٦]، والإكراه داخل في حكم الإغلاق.
وأما اللغو فقد رفع الله سبحانه المؤاخذة به حتى يحصل عقد القلب.
(١) تقدم تخريج حديث حمزة والحديث الذي بعده.
(٢) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) والطبراني في «المعجم الصغير» (٧٦٥) والدارقطني (٤٣٥١) من حديث ابن عباس، وصححه ابن حبان (٧٢١٩) والحاكم (٢/ ١٩٨).