وأما السكران فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾[النساء: ٤٣]، فلم يرتِّب على كلام السكران حكمه حتى يكون عالمًا بما يقول؛ ولذلك أمر النبي ﷺ رجلًا يَسْتَنكه المقرَّ بالزنا ليعلم هل هو عالم بما يقول أم غير عالم بما يقول، ولم يؤاخذ حمزة بقوله في حال السكر: «هل أنتم إلّا عبيد لأبي»، ولم يكفّر من قرأ في حال سكره في الصلاة: «لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون»١.
وأما الخطأ والنسيان فقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾[البقرة: ٢٨٦]، وقال الله ﷿: «قد فعلتُ»٢. وقال النبي ﷺ: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه»٣.
وأما المُكْرَه فقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾[النحل: ١٠٦]، والإكراه داخل في حكم الإغلاق.
وأما اللغو فقد رفع الله سبحانه المؤاخذة به حتى يحصل عقد القلب.
(١) تقدم تخريج حديث حمزة والحديث الذي بعده.
(٢) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) والطبراني في «المعجم الصغير» (٧٦٥) والدارقطني (٤٣٥١) من حديث ابن عباس، وصححه ابن حبان (٧٢١٩) والحاكم (٢/ ١٩٨).
وأما سبق اللسان بما لم يُرِدْه المتكلم فهو دائر بين الخطأ في اللفظ والخطأ في القصد؛ فهو أولى أن لا يؤاخَذَ به من لغو اليمين، وقد نصّ الأئمة على مسائل من ذلك تقدَّم ذكر بعضها.
وأما الإغلاق فقد نصّ عليه صاحب [٣٦/ب] الشرع، والواجب حمل كلامه فيه على عمومه اللفظي والمعنوي؛ فكل من أُغلِق عليه باب قصده وعلمه كالمجنون والسكران والمكره والغضبان فقد تكلم في الإغلاق، ومن فسَّره بالجنون أو بالسُّكر أو بالغضب أو بالإكراه فإنما قصد التمثيل لا التخصيص، ولو قدِّر أن اللفظ يختص بنوع من هذه الأنواع لوجب تعميم الحكم بعموم العلة؛ فإن الحكم إذا ثبت لعلةٍ تعدَّى بتعدِّيها وانتفى بانتفائها.
فصل
فإذا تمهَّدت هذه القاعدة فنقول: الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونيّاتهم وإراداتهم لمعانيها ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تظهر مطابقة القصد للّفظ، وللظهور مراتب تنتهي إلى اليقين والقطع بمراد المتكلم، بحسب الكلام في نفسه وما يقترن به من القرائن الحالية واللفظية وحال المتكلم به وغير ذلك، كما إذا سمع العاقل العارف باللغة قوله ﷺ: «إنكم ستَرَون ربكم عِيانًا، كما ترون القمر ليلةَ البدر ليس دونه سحابٌ، وكما ترون الشمس في الظهيرة صَحْوًا ليس دونها سحاب، لا تُضارُّون في رؤيته إلا كما تُضَارُّون في رؤيتها»١، فإنه لا يستريب ولا يشك
(١) رواه البخاري (٤٥٨١) ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه البخاري مختصرًا (٧٤٣٥) ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير. وفي الباب عن غيرهما من الصحابة ﵃ أجمعين.