في مراد المتكلم وأنه رؤية البصر حقيقةً، وليس في الممكن عبارة أوضح ولا أنصُّ من هذه. ولو اقتُرِح على أبلغ الناس أن يعبِّروا عن هذا المعنى بعبارة لا تحتمل غيره لم يقدر على عبارةٍ أوضحَ ولا أنصَّ من هذه، وعامة كلام الله ورسوله من هذا القبيل؛ فإنه مستولٍ على الأمد الأقصى من البيان.
فصل
القسم الثاني: ما يظهر بأن المتكلم لم يُرِدْ معناه، وقد ينتهي هذا الظهور إلى حدّ اليقين بحيث لا يشكُّ فيه السامع، وهذا القسم نوعان؛ أحدهما: أن لا يكون مريدًا لمقتضاه ولا لغيره، والثاني: أن يكون مريدًا لمعنى يخالفه؛ فالأول كالمكره والنائم والمجنون ومن اشتدَّ به الغضب والسكران، والثاني: كالمعرِّض والمورِّي والمُلغِز والمتأوِّل.
فصل
القسم الثالث: هو ظاهر في١ معناه ويحتمل عدم إرادة المتكلم له ويحتمل إرادته لغيره، ولا دلالة على واحد من الأمرين، واللفظ دال على المعنى الموضوع له، وقد أتى به اختيارًا.
فهذه أقسام الألفاظ بالنسبة إلى إرادة معانيها ومقاصدِ المتكلم بها، وعند هذا يقال: إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام أو لم يظهر قصدٌ يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره، والأدلة التي ذكرها الشافعي وأضعافها كلها إنما تدلُّ على ذلك، وهذا حق لا ينازعِ فيه عالم، والنزاع إنما هو في غيره.
(١) «في» ليست في ز.
إذا عُرِف هذا فالواجب حمل كلام الله ورسوله وحمل كلام المكلَّف على ظاهره الذي هو ظاهره، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب، ولا يتمُّ التفهيم والفهم إلا بذلك. ومدَّعي غيرِ ذلك على المتكلم القاصد للبيان والتفهيم كاذبٌ عليه. قال الشافعي١: وحديث رسول الله [٣٧/أ]ﷺ على ظاهره بتٌّ.
ومن ادعى أنه لا طريق لنا إلى اليقين بمراد المتكلم لأن العلم بمراده موقوف على العلم بانتفاء عشرة أشياء٢ = فهو ملبوس عليه ملبِّس على الناس؛ فإن هذا لو صح لم يحصل لأحدٍ العلمُ بكلام متكلم قطُّ، وبطلت فائدة التخاطب، وانتفت خاصية الإنسانية، وصار الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا، ولما عُلِم غرض هذا المصنّف من تصنيفه، وهذا باطل بضرورة الحس والعقل، وبطلانه من٣ أكثر من ثلاثين وجهًا مذكورة في غير هذا الموضع٤.
ولكن حمل كلام المتكلمين على ظاهره لا ينبغي صرفه عن ذلك لدلالة تدل عليه، كالتعريض ولحن الخطاب والتورية وغير ذلك، وهذا أيضًا مما لا ينازع فيه العقلاء. وإنما النزاع في الحمل على الظاهر حكمًا بعد ظهور مراد المتكلم والفاعل بخلاف ما أظهره؛ فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، وهو: هل الاعتبار بظواهر الألفاظ والعقود وإن ظهرت المقاصد
(١) لم أجد كلامه في مظانه.
(٢) هذا قول الرازي في «المحصّل» (ص ٣١).
(٣) «من» ليست في د.
(٤) ذكرها المؤلف في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٦٣٣ وما بعدها).