إعلام الموقعين

إذا عُرِف هذا فالواجب حمل كلام الله ورسوله وحمل كلام المكلَّف على ظاهره الذي هو ظاهره، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب، ولا يتمُّ التفهيم والفهم إلا بذلك. ومدَّعي غيرِ ذلك على المتكلم القاصد للبيان والتفهيم كاذبٌ عليه. قال الشافعي١: وحديث رسول الله [٣٧/أ] ﷺ على ظاهره بتٌّ.

ومن ادعى أنه لا طريق لنا إلى اليقين بمراد المتكلم لأن العلم بمراده موقوف على العلم بانتفاء عشرة أشياء٢ = فهو ملبوس عليه ملبِّس على الناس؛ فإن هذا لو صح لم يحصل لأحدٍ العلمُ بكلام متكلم قطُّ، وبطلت فائدة التخاطب، وانتفت خاصية الإنسانية، وصار الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا، ولما عُلِم غرض هذا المصنّف من تصنيفه، وهذا باطل بضرورة الحس والعقل، وبطلانه من٣ أكثر من ثلاثين وجهًا مذكورة في غير هذا الموضع٤.

ولكن حمل كلام المتكلمين على ظاهره لا ينبغي صرفه عن ذلك لدلالة تدل عليه، كالتعريض ولحن الخطاب والتورية وغير ذلك، وهذا أيضًا مما لا ينازع فيه العقلاء. وإنما النزاع في الحمل على الظاهر حكمًا بعد ظهور مراد المتكلم والفاعل بخلاف ما أظهره؛ فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، وهو: هل الاعتبار بظواهر الألفاظ والعقود وإن ظهرت المقاصد

  1. (١) لم أجد كلامه في مظانه.
  2. (٢) هذا قول الرازي في «المحصّل» (ص ٣١).
  3. (٣) «من» ليست في د.
  4. (٤) ذكرها المؤلف في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٦٣٣ وما بعدها).
597

والنيات١ بخلافها أم للقصود والنيات تأثير يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها؟ وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثّر في صحة العقد وفساده وفي حلّه وحرمته، بل أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثّر في الفعل الذي ليس بعقدٍ تحليلًا وتحريمًا، فيصير حلالًا تارة وحرامًا تارة باختلاف النية والقصد، كما يصير صحيحًا تارة وفاسدًا تارة باختلافها.

وهذا كالذبح، فإن الحيوان يحلُّ إذا ذُبح لأجل الأكل ويحرم إذا ذُبح لغير الله. وكذلك الحلال يصيد الصيد للمحرِم فيحرم عليه ويصيده للحلال فلا يحرم على المحرم. وكذلك الرجل يشتري الجارية ينوي أن تكون لموكِّله فتحرم على المشتري وينوي أنها له فتحلُّ له، وصورة الفعل والعقد واحدة، وإنما اختلفت النية والقصد. وكذلك صورة القرض وبيع الدرهم بالدرهم إلى أجلٍ صورتُهما واحدة، وهذا قربة صحيحة وهذا معصية باطلة بالقصد. وكذلك عَصْر العنب بنية أن يكون خمرًا معصيةٌ ملعون فاعله على لسان رسول الله ﷺ٢، وعَصْره٣ بنية أن يكون خلًّا أو دِبْسًا جائز، وصورة الفعل واحدة. وكذلك السلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلمًا حرام باطل لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله فهو طاعة وقربة. وكذلك عقد النذر المعلَّق على شرط ينوي به التقرُّب والطاعة فيلزمه الوفاء بما نَذَرَه، وينوي به الحلف

  1. (١) د: «النيات والمقاصد».
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) في النسختين: «وعصيره».
598

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي