إعلام الموقعين

التحريم من هذين الوجهين لعنهم الله على لسان رسوله ﷺ على هذا الاستحلال، نظرًا إلى المقصود، وأن حكمة التحريم لا تختلف سواء كان جامدًا أو مائعًا، وبدلُ الشيء يقوم مقامه ويسدُّ مسدَّه، فإذا حرَّم الله الانتفاع بشيء حرَّم الاعتياض عن تلك المنفعة، وأما ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه كالحُمُر١ مثلًا فإنه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة لا لمنفعة اللحم المحرَّمة. وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود٢ وصحَّحه الحاكم وغيره: «لعنَ الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرَّم على قومٍ أكلَ شيء حرَّم عليهم ثمنَه» يعني ثمنه المقابل لمنفعة الأكل، فإذا كانت فيه منفعة أخرى وكان الثمن في مقابلتها لم يدخل في هذا.

إذا تبيَّن٣ هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلَّقًا بمجرد اللفظ وبظاهرٍ من القول دون مراعاةٍ لمقصودِ الشيء المحرَّم ومعناه وكيفيته لم يستحقُّوا اللعنة لوجهين:

أحدهما: أن الشحم خرج بجَمْله عن أن يكون شحمًا، وصار وَدَكًا، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك؛ فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سِلعةً بالثمن

  1. (١) جمع حمار. وفي «بيان الدليل»: «كالحمير».
  2. (٢) رواه أحمد (٢٢٢١) وأبو داود (٣٤٨٨)، وصححه ابن حبان (٤٩٣٨). ولم أجده في «المستدرك» من حديث ابن عباس. بل رواه الحاكم (٤/ ١٩٤) من حديث أسامة بن زيد وصححه، ولفظه: «لعن الله اليهود، يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها».
  3. (٣) الكلام لشيخ الإسلام، وزاد فيه المؤلف وشرحه.
602

المؤجّل ثم اشتراها بالثمن الحالّ، ولا غرضَ لواحد منهما في السلعة بوجهٍ ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: «دراهمُ بدراهم دخلت بينهما حَرِيرة»١؛ فلا فرقَ بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين بلا حيلة البتةَ، لا في شرع ولا عقل ولا عرف، بل المفسدة التي لأجلها حرِّم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص؛ فمن المستحيل على شريعةِ أحكم الحاكمين أن تحرِّم ما فيه مفسدة وتلعنَ فاعله وتُؤذنه بحربٍ منه ورسوله وتُوعِده أشدَّ الوعيد، ثم تُبيح التحيُّل على حصول ذلك بعينه، سواء مع قيام تلك [٣٨/ب] المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في مَقْتِه ومخادعة الله ورسوله. هذا لا يأتي به شرع؛ فإن الربا على الأرض أسهل وأقلُّ مفسدة من الربا بسُلَّمٍ طويل صعب المراقي٢ يترابى المترابيان على رأسه.

فيا لله العجب! أيُّ مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع؟ فهل صار هذا الذنب العظيم عند الله الذي هو من أكبر الكبائر حسنةً وطاعةً بالخداع والاحتيال؟ ويا لله! كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخُبث إلى الطيب ومن المفسدة إلى المصلحة، وجعله محبوبًا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطًا له؟ ولئن كان الاحتيال يبلغ هذا المبلغ فإنه عند الله ورسوله بمكان وبمنزلة عظيمة، وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق عُراه وأجلِّ أصوله.

  1. (١) رواه ابن أبي شيبة (٢٠٥٢٧) عن ابن عباس، وعزاه ابن القيم إلى مطيَّن كما سيأتي.
  2. (٢) د: «التراقي».
603

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي