علم الله ورسوله والملائكة والزوج والمرأة أنه محلِّل لا ناكح، وأنه ليس بزوج، وإنما هو تَيْس مستعار للضِّراب بمنزلة حمار العُشْريين١.
فيا لله العجب! أي فرق في نفس الأمر بين الزنا وبين هذا؟ نعم هذا زنًا بشهود من البشر وذلك زنًا بشهود من الكرام الكاتبين كما صرح به أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: «لا يزالان زانيينِ وإن مكثا عشرين سنة إذا علم الله أنه إنما يريد أن يُحِلَّها»٢، والمقصود أن هذا المحلل إذا قيل له: هذا زنا، قال: ليس بزنا بل نكاح، كما أن المرابي إذا قيل له: هذا ربا، قال: بل هو بيع، وكذلك كل من استحل محرَّمًا بتغيُّر اسمه وصورته، كمن يستحلّ الحشيشة باسم لُقَيمة الراحة، ويستحلّ المعازف كالطنبور والعود والبربط باسم يسمِّيها به، وكما يسمي بعضهم المغنّي بالحادي والمُطرِب والقوَّال، وكما يسمِّي الديُّوث بالمصلح والموفِّق والمحسِّن٣، ورأيت من يسجد لغير الله من الأحياء والأموات ويسمِّي ذلك وضع الرأس للشيخ؛ قال: ولا أقول: هذا سجود.
وهكذا الحيل سواء؛ فإن أصحابها يَعمِدون إلى الأحكام فيعلِّقونها بمجرد اللفظ، ويزعمون أن الذي يستحلُّونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم، مع القطع بأن معناه معنى الشيء المحرم؛ فإن الرجل إذا قال لمن له عليه ألف: اجعلْها ألفًا ومائة إلى سنة بإدخال هذه الخرقة وإخراجها صورةً
(١) الذي يُكتَرى للتقفيز على الإناث، كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٩٤). وفي «زاد المعاد» (٥/ ٢٥٧): كحمار العشريين المستعار للضراب.
(٢) رواه عبد الرزاق (١٠٧٧٨) بنحوه، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ٤٠٣) بهذا اللفظ، وعزاه إلى حسين بن حفص والجوزجاني.
(٣) د: «والمحسن والموفق».
لا معنى، لم يكن فرقٌ بين توسطها وعدمه، وكذلك إذا قال: مكِّنيني من نفسكِ أقضِ منكِ وطرًا يومًا أو ساعةً بكذا [٤٠/أ] وكذا، لم يكن فرقٌ بين إدخال شاهدين في هذا أو عدم إدخالهما، وقد تواطآ على قضاء وطر ساعة من زمان.
ولو أوجب تبدُّلُ الأسماء والصور تبدُّلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبدِّلت الشرائع، واضمحلَّ الإسلام، وأي شيء نفع المشركين تسميةُ أوثانهم آلهة وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟ وأي شيء نفعهم تسميةُ الإشراك بالله تقربًا إلى الله؟ وأي شيء نفع المعطِّلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسميةُ ذلك تنزيهًا؟ وأي شيء نفع الغلاةَ في البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونهم من دون الله تسميةُ ذلك تعظيمًا واحترامًا؟ وأي شيء نفع نفاةَ القدر المخرِجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعة١ أنبيائه ورسله وملائكته وعباده عن قدرته تسميةُ ذلك عدلًا؟ وأي شيء نفعَهم نفيُهم لصفات كماله تسميةُ ذلك توحيدًا؟ وأي شيء نفع أعداءَ الرسل من الفلاسفة ــ القائلين بأن الله لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا يُحيي الموتى ويبعث من في القبور، ولا يعلم شيئًا من الموجودات، ولا أرسل رسولًا إلى الناس٢ أمرهم بطاعته ــ تسميةُ ذلك حكمة؟ وأي شيء نفع أهلَ النفاق تسميةُ نفاقهم عقلًا معيشيًّا وقدْحُهم في عقل من لم ينافق نفاقهم ويُداهِنْ في دين الله؟ وأي شيء نفع المَكَسَة٣