العقود ما يكون جدُّه وهزلُه سواء، ومنها ما لا يكون كذلك، وإلا لقال١: العقود كلها أو الكلام كله جدُّه وهزله سواء، وأما من جهة المعنى فإن النكاح والطلاق والرجعة والعتق فيها حقٌّ لله، أما العتق فظاهر، وأما الطلاق فإنه يوجب تحريم البضع، ولهذا تجب إقامة الشهادة فيه وإن لم تطلبها الزوجة، وكذلك في النكاح فإنه يفيد حِلَّ ما كان حرامًا وحرمةَ ما كان حلالًا، وهو التحريم الثابت بالمصاهرة؛ ولهذا لا يستباح إلا بالمهر، وإذا كان كذلك لم يكن للعبد ــ مع تعاطي السبب الموجب لهذه الأحكام ــ أن لا يرتِّب عليها موجباتها، كما ليس له ذلك في كلمات الكفر إذا هَزَل بها كما صرّح به القرآن؛ فإن الكلام المتضمن لحقّ الله لا يمكن قولُه مع رفع ذلك الحق؛ إذ ليس للعبد أن يهزِل مع ربّه ولا يستهزئ بآياته ولا يتلاعب بحدوده.
وفي حديث أبي موسى: «ما بالُ أقوامٍ يلعبون بحدود الله ويستهزئون [٤٢/ب] بآياته؟»٢ في الهازلين. يعني ــ والله أعلم ــ يقولونها لعبًا غير ملتزمين لأحكامها، وحكمها لازم لهم، وهذا بخلاف البيع وبابه؛ فإنه تصرُّف في المال الذي هو محض حق الآدمي، ولهذا يملك بذله بعوض وغير عوض، والإنسان قد يلعب مع الإنسان وينبسط معه، فإذا تكلم على هذا الوجه لم يلزمه حكم الجادّ؛ لأن المزاح معه جائز.
(١) في «بيان الدليل»: «لقيل».
(٢) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص ٩٩) بهذا اللفظ. ورواه ابن ماجه (٢٠١٧) وابن حبان (٤٢٦٥) دون قوله: «ويستهزئون بآياته». والحديث ضعَّفه الألباني في «الضعيفة» (٤٤٣١).
وحاصل الأمر أن اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله غير جائز، فيكون جدُّ القول وهزلُه سواء، بخلاف جانب العباد. ألا ترى أن النبي ﷺ كان يمزح مع أصحابه ويباسطهم، وأما مع ربه ﵎ فيجِدُّ كلَّ الجِدّ، ولهذا قال للأعرابي يمازحه: «مَن يشتري منّي العبدَ؟» فقال: تجدني رخيصًا يا رسول الله؟ فقال: «بل أنت عند الله غالٍ»١. وقصد ﷺ أنه عبد الله، والصيغة صيغة استفهام. وهو ﷺ كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا٢. ولو أن رجلًا قال: «من يتزوَّج أمي أو أختي» لكان من أقبح الكلام، وقد كان عمر ﵁ يضرب من يدعو امرأته أخته، وقد جاء في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود٣ أن رجلًا قال لامرأته: يا أُخَيَّة٤، فقال النبي ﷺ: «أختُك هي؟». وإنما جعل إبراهيم ذلك حاجةً لا مُزاحًا٥.
ومما يوضّحه أن عقد النكاح يُشبِه العبادات في نفسه، بل هو مقدَّم على
(١) رواه أحمد (١٢٦٤٨) والترمذي في «الشمائل» (٢٢٩) من حديث أنس ﵁، وصححه ابن حبان (٥٧٩٠) وابن حجر في «الإصابة» (٢/ ٤٥٢).
(٢) رواه أحمد (٨٧٢٣) والترمذي (١٩٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁، وحسنه الترمذي والبغوي (٣٦٠٢).
(٣) برقم (٢٢١٠) وهو مرسل، وقد وصله أبو داود في الحديث الذي بعده (٢٢١١)، والحديث في إسناده اضطراب. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٢٤٠).
(٤) د: «أخته». وفي ز بدون نقط، والمثبت من أبي داود.
(٥) إشارة إلى الحديث الذي رواه البخاري (٣٣٥٨) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وفيه: «بينا هو (أي إبراهيم) ذاتَ يومٍ وسارةُ، إذ أتى على جبَّار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلًا معه امرأة من أحسن النساء، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي ...».