نفلها، ولهذا يُستحبُّ عقدُه في المساجد، ويُنهى عن البيع فيها، ومن يشرِط له لفظًا بالعربية راعى فيه ذلك إلحاقًا له بالأذكار المشروعة، ومثل هذا لا يجوز الهزل به، فإذا تكلّم به رتّب الشارع عليه حكمه وإن لم يقصده، بحكم ولاية الشارع على العبد، فالمكلَّف قصد السبب، والشارع قصد الحكم، فصارا مقصودين كليهما١.
فصل
وقد ظهر بهذا أن ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة، فإنه ﷺ أمر أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله. ولم يُؤمَر أن ينقَّب عن قلوبهم ولا أن يُشقَّ بطونهم، بل يجري عليهم أحكام الله٢ في الدنيا إذا دخلوا في دينه، ويجري أحكامه [٤٣/أ] في الآخرة على قلوبهم ونياتهم، فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان، ولهذا قبِلَ إسلام الأعراب، ونفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وأخبر أنه لا ينقُصهم مع ذلك من ثواب طاعتهم لله ورسوله شيئًا، وقبِلَ إسلام المنافقين ظاهرًا، وأخبر أنهم لا ينفعهم يوم القيامة شيئًا، وأنهم في الدرك الأسفل من النار. فأحكام الرب ﷻ جارية على ما يُظهِر العباد، ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه كما تقدم تفصيله.
وأما قصة المُلاعن فالنبي ﷺ إنما قال بعد أن ولدت الغلام على شبه الذي رُمِيَتْ به: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»، فهذا ــ والله
(١) كذا في النسختين. وفي «بيان الدليل»: «فصار الجميع مقصودًا».
(٢) ز: «أحكام الله عليهم».
أعلم ــ إنما أراد به لولا حكم الله بينهما باللعان لكان شَبَهُ الولد بمن رُمِيتْ به يقتضي حكمًا آخر غيره، ولكن حكم الله باللعان ألغى حكم هذا الشبه، فإنهما دليلان، وأحدهما أقوى من الآخر؛ فكان العمل به واجبًا. وهذا كما لو تعارض دليل الفراش ودليل الشبه، فإنا نُعمِل دليل الفراش ولا نلتفت إلى الشبه بالنص والإجماع، فأين في هذا ما يُبطِل المقاصد والنيات والقرائن التي لا معارضَ لها؟ وهل يلزم من بطلان الحكم بقرينة قد عارضها ما هو أقوى منها بطلانُ الحكم بجميع القرائن؟ وسيأتي دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وجمهور الأئمة على العمل بالقرائن واعتبارها في الأحكام. وأما إنفاذه للحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب فليس في الممكن شرعًا غيرُ هذا، وهذا شأن عامة المتداعين، لا بدَّ أن يكون أحدهما مُحِقٌّ والآخر مُبطِل١، وينفذ حكم الله عليهما تارةً بإثبات حق المحق وإبطال باطل المبطل، وتارةً بغير ذلك إذا لم يكن مع المحقّ دليل.
وأما حديث ركانة لما طلّق امرأته البتةَ وأحلفه النبي ﷺ أنه إنما أراد واحدةً٢، فمن أعظم الأدلة على صحة هذه القاعدة، وأن الاعتبار في العقود بنيات أصحابها ومقاصدهم وإن خالفت ظواهرَ ألفاظهم؛ فإن لفظ البتة يقتضي أنها قد بتَّتْ منه وانقطع التواصل الذي كان بينهما بالنكاح، وأنه لم يبقَ له عليها رجعة، بل بانت منه البتةَ كما يدل عليه لفظ البتة لغةً وعرفًا، ومع هذا فردَّها عليه، وقَبِلَ قوله أنها واحدة مع مخالفة الظاهر اعتمادًا على قصده ونيته، فلولا اعتبار القصود في العقود لما نفعه قصده الذي يخالف
(١) كذا في النسختين «محق» و«مبطل» مرفوعان. وفي المطبوع بالنصب.