إعلام الموقعين

صحيحًا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه١، فإذا قام دليل على الباطن لم يُلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن يخالفه. ولهذا اتفق الناس على أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف علمه، وإن شهد عنده بذلك العدولُ٢، وإنما يحكم بشهادتهم إذا لم يعلم خلافها. وكذلك لو أقرَّ إقرارًا عُلِم أنه كاذب فيه، مثل أن يقول لمن هو أسنُّ منه «هذا ابني» لم يثبت نسبه ولا ميراثه اتفاقًا. وكذلك الأدلة الشرعية مثل خبر الواحد العدل والأمر والنهي والعموم والقياس إنما يجب اتباعها إذا لم يقم دليل أقوى منها يخالف ظاهرها.

وإذا عُرف هذا فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته، وتكذيبه واستهانته بالدين، وقَدْحه فيه؛ فإظهاره الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس فيه أكثر ما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة؛ فلا يجوز الاعتماد عليه لتضمُّنه إلغاءَ الدليل القوي وإعمالَ الدليل الضعيف الذي قد ظهر بطلان دلالته، ولا يخفى على المنصف قوةُ هذا النظر وصحةُ هذا المأخذ. وهذا مذهب أهل المدينة: مالك وأصحابه والليث بن سعد، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى٣ الروايات عن أحمد نصرها كثير من أصحابه، بل هي أنصُّ الروايات عنه، وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب، وهو قول الشافعي، وعن أبي يوسف روايتان؛ إحداهما: أنه يستتاب، وهي الرواية الأولى عنه، ثم قال آخرًا: أقتلُه

  1. (١) في هامش د: «يخالفه».
  2. (٢) د: «بذلك العدول عنده».
  3. (٣) ز: «أحد».
629

من غير استتابة، لكن إن تاب قبل أن يُقدَر عليه قبلت توبته، وهذا هو الرواية الثالثة عن أحمد.

ويا لله العجب! كيف يقاوِم دليلُ إظهاره للإسلام بلسانه بعد القدرة عليه أدلةَ زندقتِه، وتكررها منه مرة بعد مرة، وإظهاره كل وقت للاستهانة بالإسلام والقدح في الدين والطعن فيه في كل مجمع، مع استهانته بحرمات الله واستخفافه [٤٥/أ] بالفرائض وغير ذلك من الأدلة؟ ولا ينبغي لعالمٍ قطُّ أن١ يتوقف في قتل مثل هذا، ولا تُترك الأدلة القطعية لظاهرٍ قد تبيَّن عدم دلالته وبطلانها، ولا تسقط الحدود عن أرباب الجرائم بغير موجب.

نعم لو أنه قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدلُّ على حسن الإسلام وعلى التوبة النصوح، وتكرر ذلك منه= لم يُقتل، كما قاله أبو يوسف وأحمد في إحدى الروايات، وهذا التفصيل أحسنُ الأقوال في المسألة.

ومما يدلُّ على أن توبة الزنديق بعد القدرة لا تَعصِم دمَه قولُه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]، قال السلف في هذه الآية: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ بالقتل٢ إن أظهرتم ما في قلوبكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يُبطِنونه من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل؛ فلو قُبلت توبتهم بعد ما ظهرت زندقتهم لم يمكن المؤمنين أن يتربَّصوا بالزنادقة

  1. (١) «أن» ليست في د.
  2. (٢) روي هذا عن ابن عباس وقتادة. انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٤٩٧).
630

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي