الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قُصِد١ بها التوصُّل إلى المفسدة.
الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوصُّل إلى المفسدة، مفضية إليها غالبًا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها.
الرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها.
فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم، ومثال الثالث الصلاة في أوقات النهي، ومسبَّة آلهة المشركين بين ظهرانيهم، وتزيُّن المتوفى عنها في زمن عدتها، وأمثال ذلك. ومثال الرابع النظر إلى المخطوبة والمُسْتامَة٢ والمشهود عليها ومن يطؤها ويعاملها، وفعلُ ذوات الأسباب في أوقات النهي، وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر، ونحو ذلك. فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة، وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهةً أو تحريمًا بحسب درجاته في المفسدة. بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟ فنقول:
(٢) أي الأَمة التي يُطلَب شراؤها. اسم مفعول من الفعل «استامَ».
(٣) «آلهة» ليست في ز.
المشركين ــ مع كون السبّ١ غيظًا٢ وحميةً لله وإهانةً لآلهتهم ــ لكونه ذريعةً إلى سبِّهم الله سبحانه، وكانت مصلحة ترك مسبَّته سبحانه أرجح من مصلحة سبِّنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز.
الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾[النور: ٣١]، فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوتَ الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن.
الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الآية٣[النور: ٥٨]، أمر سبحانه مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة، لئلا يكون دخولهم هَجْمًا بغير استئذان فيها ذريعةً إلى اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة، ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها وإن أمكن في تركه هذه المفسدة، لندورها وقلة الإفضاء إليها، فجعلت كالمقدمة.