رضيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة كما علَّل به النبي ﷺ.
الوجه السابع عشر: أنه حرّم نكاح أكثر من أربع١ لأن ذلك ذريعة إلى الجور، وقيل: العلة فيه أنه ذريعة إلى كثرة المُؤْنة المفضية إلى أكل الحرام، وعلى التقديرين فهو من باب سدّ الذرائع. وأباح الأربع ــ وإن كان لا يُؤمَن الجور في اجتماعهن ــ لأن حاجته قد لا تندفع بما دونهن؛ فكانت مصلحة الإباحة أرجحَ من مفسدة الجور المتوقعة.
الوجه الثامن عشر: أن الله سبحانه حرَّم خِطبة المعتدَّة صريحًا، حتى حرم ذلك في عدة الوفاة وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة؛ فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعةً إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها.
الوجه التاسع عشر: أن الله سبحانه حرَّم عقد النكاح في حال العدة وفي الإحرام، وإن تأخَّر الوطء إلى وقت الحلّ لئلا يتخذ العقد ذريعة إلى الوطء، ولا ينتقض هذا بالصيام؛ فإن زمنه قريب جدًّا، فليس عليه كلفةٌ في صبره بعضَ يومٍ إلى الليل.
الوجه العشرون: أن الشارع حرَّم الطيب على المُحرِم٢ لكونه من أسباب دواعي الوطء، فتحريمه من باب سدّ الذرائع.
الوجه الحادي والعشرون: أن الشارع اشترط للنكاح شروطًا زائدة على
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
العقد تقطع عنه شبه السِّفاح، كالإعلان١، والولي٢، ومنع المرأة أن تليه بنفسها، وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة٣؛ لأن في الإخلال بذلك ذريعةً إلى وقوع السفاح بصورة النكاح، وزوال بعض مقاصد النكاح من جحد الفراش، ثم أكَّد ذلك بأن جعل للنكاح حريمًا من العدة تزيد على مقدار الاستبراء، وأثبت له أحكامًا من المصاهرة وحرمتها ومن الموارثة زائدة على مجرد الاستمتاع؛ فعُلِم أن الشارع جعله٤ سببًا ووُصلةً بين الناس بمنزلة الرحم، كما جمع بينهما في قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾[الفرقان: ٥٤]. وهذه المقاصد تمنع شَبَهه بالسِّفاح، وتبيِّن أن نكاح المحلِّل بالسفاح أشبه منه بالنكاح.
الوجه الثاني والعشرون: أن النبي ﷺ نهى أن يجمع الرجل بين سَلَفٍ وبيع٥. ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح، وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعةٌ إلى أن يُقرِضه ألفًا ويبيعه سلعةً تساوي ثمانمائة بألف أخرى؛ فيكون قد أعطاه ألفًا وسلعةً بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى
(١) رواه أحمد (١٥٤٥١) والترمذي (١٠٨٨) والنسائي (٣٣٦٩) وابن ماجه (١٨٩٦) من حديث محمد بن حاطب. وحسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم (٢/ ١٨٤).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) انظر التخريج قبل السابق.
(٤) ز: «جعل».
(٥) رواه أحمد (٦٦٧١) وأبو داود (٣٥٠٤) والترمذي (١٢٣٤) والنسائي (٤٦٣١) وابن ماجه (٢١٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وصححه الترمذي والحاكم (٢/ ١٧).