الوجه الثامن والسبعون: أنه نهى من رأى رؤيا يكرهها أن يتحدّث بها٢؛ فإنه ذريعة إلى انتقالها من مرتبة٣ الوجود اللفظي إلى الوجود الخارجي، كما انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظي، وهكذا عامة الأمور تكون في الذهن أولًا ثم تنتقل إلى الذكر ثم تنتقل إلى الحسّ. وهذا من ألطف سدِّ الذرائع وأنفعها، ومن تأمَّلَ عامة الشر رآه متنقلًا في درجات الظهور طبقًا بعد طبقٍ من الذهن إلى اللفظ إلى الخارج.
الوجه التاسع والسبعون: أنه سئل عن الخمر تُتخذ خلًّا، فقال: لا، مع إذنه في خلِّ الخمر الذي حصل بغير التخليل٤، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة إمساكها بكل طريق، إذ لو أذن في تخليلها لحبسها أصحابها لذلك وكان ذريعة إلى المحذور.
الوجه الثمانون: [٥١/ب] أنه نهى أن يتعاطى السيف مسلولًا٥، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى الإصابة بمكروه، ولعل الشيطان يُعِينه ويَنزِع في يده، فيقع المحذور ويقرب منه.
الوجه الحادي والثمانون: أنه أمر المارّ في المسجد بنِبالٍ أن يُمسك
(١) انظر: «زاد المعاد» (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٥).
(٢) رواه البخاري (٣٢٩٢) ومسلم (٢٢٦١) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٣) د: «نية».
(٤) رواه مسلم (١٩٨٣) من حديث أنس ﵁.
(٥) رواه أحمد (١٤٨٨٥) أبو داود (٢٥٨٨) والترمذي (٢١٦٣) من حديث جابر ﵁، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٥٩٤٦) والحاكم (٤/ ٢٩٠).
على نِصالها بيده١، لئلا يكون ذريعةً إلى تأذِّي رجل مسلم بالنِّصال.
الوجه الثاني والثمانون: أنه حرَّم الشِّياع، وهو المفاخرة بالجماع٢؛ لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشبُّه، وقد لا يكون عند الرجل من يُغنيه من الحلال فيتخطَّى إلى الحرام، ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله، وهم المتحدِّثون بما فعلوه من المعاصي؛ فإن السامع تتحرّك نفسه إلى التشبُّه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله.
الوجه الثالث والثمانون: أنه نهى عن البول في الماء الدائم٣، وما ذاك إلا لأن تواتر البول فيه ذريعة إلى تنجيسه، وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير٤ وبول الواحد والعدد، وهذا أولى من تقييده بما دون القلتين أو بما يمكن نَزْحُه؛ فإن الشارع الحكيم لا يأذن للناس أن يبولوا في المياه الدائمة إذا جاوزت القلتين أو لم يمكن نزحُها، فإن في ذلك من إفساد مياه الناس ومواردهم ما لا تأتي به شريعة، فحكمة شريعته اقتضت المنع من البول فيه قلَّ أو كثر سدًّا لذريعة إفساده.
الوجه الرابع والثمانون: أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو٥؛
(١) رواه البخاري (٤٥٢) ومسلم (٢٦١٥) من حديث أبي موسى ﵁.
(٢) رواه أحمد (١١٢٣٥) وأبو يعلى (١٣٩٦) والبيهقي (٧/ ١٩٤) عن أبي سعيد الخدري، وفي إسناده درّاج وروايته عن أبي الهيثم فيها كلام. انظر: «تهذيب الكمال» (٨/ ٤٧٧).
(٣) رواه البخاري (٢٣٩) ومسلم (٢٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) ز: «الكثير والقليل».
(٥) رواه البخاري (٢٩٩٠) ومسلم (١٨٦٩) من حديث ابن عمر ﵄.