على نِصالها بيده١، لئلا يكون ذريعةً إلى تأذِّي رجل مسلم بالنِّصال.
الوجه الثاني والثمانون: أنه حرَّم الشِّياع، وهو المفاخرة بالجماع٢؛ لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشبُّه، وقد لا يكون عند الرجل من يُغنيه من الحلال فيتخطَّى إلى الحرام، ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله، وهم المتحدِّثون بما فعلوه من المعاصي؛ فإن السامع تتحرّك نفسه إلى التشبُّه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله.
الوجه الثالث والثمانون: أنه نهى عن البول في الماء الدائم٣، وما ذاك إلا لأن تواتر البول فيه ذريعة إلى تنجيسه، وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير٤ وبول الواحد والعدد، وهذا أولى من تقييده بما دون القلتين أو بما يمكن نَزْحُه؛ فإن الشارع الحكيم لا يأذن للناس أن يبولوا في المياه الدائمة إذا جاوزت القلتين أو لم يمكن نزحُها، فإن في ذلك من إفساد مياه الناس ومواردهم ما لا تأتي به شريعة، فحكمة شريعته اقتضت المنع من البول فيه قلَّ أو كثر سدًّا لذريعة إفساده.
الوجه الرابع والثمانون: أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو٥؛
(١) رواه البخاري (٤٥٢) ومسلم (٢٦١٥) من حديث أبي موسى ﵁.
(٢) رواه أحمد (١١٢٣٥) وأبو يعلى (١٣٩٦) والبيهقي (٧/ ١٩٤) عن أبي سعيد الخدري، وفي إسناده درّاج وروايته عن أبي الهيثم فيها كلام. انظر: «تهذيب الكمال» (٨/ ٤٧٧).
(٣) رواه البخاري (٢٣٩) ومسلم (٢٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) ز: «الكثير والقليل».
(٥) رواه البخاري (٢٩٩٠) ومسلم (١٨٦٩) من حديث ابن عمر ﵄.
فإنه ذريعة إلى أن تناله أيديهم، كما عُلِّل به في نفس الحديث١.
الوجه الخامس والثمانون: أنه نهى عن الاحتكار، وقال: «لا يَحتكرُ إلا خاطئ»٢، فإنه ذريعة إلى أن يضيّق على الناس أقواتهم، ولهذا لا يمنع من احتكار ما لا يُضِرُّ بالناس.
الوجه السادس والثمانون: أنه نهى عن منع فضل الماء٣؛ لئلا يكون ذريعة إلى منع فضل الكلأ كما علِّل به في نفس الحديث، فجعله بمنعه الماءَ مانعًا من الكلأ؛ لأن صاحب المواشي إذا لم يمكنه الشرب من ذلك الماء لم يتمكَّن من المرعى الذي حوله.
الوجه السابع والثمانون: أنه نهى عن إقامة حد الزنا على الحامل حتى تضع٤، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى قتل ما في بطنها، كما قال في الحديث الآخر: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرتُ فتياني أن يحملوا معهم حُزَمًا من حَطبٍ، فأخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة في الجماعة فأحرِّق عليهم بيوتَهم بالنار»٥. فمنعه من تحريق بيوتهم التي عصوا الله فيها بتخلُّفهم عن الجماعة كونُ ذلك ذريعةً إلى عقوبة من لم يجب عليه حضور الجماعة من النساء والأطفال.
(١) والعلة جاءت عند مسلم دون البخاري.
(٢) رواه مسلم (١٦٠٥/ ١٣٠) من حديث معمر بن عبد الله العدوي ﵁.
(٣) رواه البخاري (٢٣٥٣) ومسلم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه مسلم (١٦٩٥) من حديث بريدة ﵁ في قصة الغامدية.
(٥) رواه البخاري (٢٤٢٠) ومسلم (٦٥١) من حديث أبي هريرة ﵁ دون ذكر السبب، وهو عند أحمد (٨٧٩٦).