أني فعلتُ لكان كذا وكذا، وأخبر أن ذلك ذريعة إلى عمل الشيطان١، فإنه لا يُجدِي عليه إلا الحزن والندم وضيقة الصدر والتسخُّط على المقدور واعتقاد أنه كان يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يُضعِف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإذا أعرض القلب عن هذا انفتح له عمل الشيطان، وما ذاك لمجرد لفظ «لو»، بل لِما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان، بل أرشد العبد في هذه الحال إلى ما هو أنفع له، وهو الإيمان بالقدر والتفويض والتسليم للمشيئة الإلهية وأنه ما شاء الله كان ولا بدّ؛ فمن رضي فله الرضى ومن سخِطَ فله السخط، فصلوات الله وسلامه على مَن كلامه شفاء للصدور ونور للبصائر وحياة للقلوب وغذاء للأرواح، فلقد أنعم به على عباده أتمَّ نعمة، ومنَّ عليهم به أعظم منَّة؛ فللّه النعمة وله المنّة والفضل وله الثناء الحسن.
الوجه الخامس والتسعون: أنه ﷺ نهى عن طعام المتباريينِ٢، وهما الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته، إما في التبرعات كالرجلين [٥٣/أ] يصنع كل منهما دعوة يفتخر بها على الآخر ويباريه بها، وإما في المعاوضات كالمتبايعين يُرخِص كلٌّ منهما سِلعته لمنع الناس من الشراء من
(١) رواه مسلم (٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أبو داود (٣٧٥٤) والطبراني (١١٩٤٢) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الحاكم (٤/ ١٢٨). وقد اختلف في وصله وإرساله عن عكرمة، فذكر أبو داود عن الأكثرين الإرسال، واختاره البغوي في «شرح السنة» (٩/ ١٤٤) والذهبي في «الميزان» ترجمة بقية بن الوليد (١/ ٣٣٤). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٦٢٦).
صاحبه. ونصَّ الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء، وهذا النهي يتضمن سدَّ الذريعة من وجهين؛ أحدهما: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما تفريح لهما وتقوية لقلوبهما وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله ورسوله. والثاني: أن ترك الأكل من طعامهما ذريعة إلى امتناعهما وكفِّهما عن ذلك.
الوجه السادس والتسعون: أنه سبحانه عاقب الذين حفروا الحفائر يوم الجمعة فوقع فيها السمك يوم السبت فأخذوه يوم الأحد، ومسخهم قردةً وخنازير، وقيل: إنهم نصبوا الشِّباك يوم الجمعة وأخذوا الصيد يوم الأحد. وصورة الفعل الذي فعلوه مخالف لما نُهوا عنه، ولكنهم لما جعلوا الشِّباك والحفائر ذريعة إلى أخذ ما يقع فيها من الصيد يوم السبت نُزِّلوا منزلةَ من اصطاد١ فيه؛ إذ صورة الفعل لا اعتبار بها، بل بحقيقته وقصد فاعله، ويلزم من لم يَسُدَّ الذرائع أن لا يحرِّم مثل هذا كما صرّحوا به في نظيره سواء، وهو لو نصب قبل الإحرام شبكةً فوقع فيها صيد وهو محرم جاز له أخذه بعد الحلّ، وهذا جارٍ على قواعد من لم يعتبر المقاصد ولم يسدَّ الذرائع.
الوجه السابع والتسعون: قال الإمام أحمد: نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة٢، ولا ريبَ أن هذا سدٌّ لذريعة الإعانة على المعصية،
(١) د: «اصّاد»، وكلاهما صواب.
(٢) رواه البزار (٣٥٨٩) والطبراني (٢٨٦) والبيهقي (٥/ ٥٢٧) من حديث عمران مرفوعًا، وفي إسناده بحْر السَّقَّاء متكلم فيه، وبه أعله البيهقي، وقد اختلف في وقفه ورفعه، والوقف هو الأصح. انظر: «نصب الراية» (٣/ ٣٩١) و«التلخيص الحبير» (٣/ ٤٢) و«الإرواء» (٥/ ١٣٥).