ومُبطِنًا لخلافه؛ فالأول نفاق في أصل الدين، وهذا نفاق في فروعه.
يوضِّح ذلك ما ثبت عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: إن عمي طلَّق امرأته ثلاثًا، أيُحِلُّها له رجل؟ فقال: من يخادعِ الله يخدعْه١. وصح عن أنس وعن ابن عباس أنهما سئلا عن العِينة، فقالا: إن الله لا يخدع، هذا٢ مما حرّم الله ورسوله٣. فسمَّيا ذلك خداعًا، كما سمّى عثمان وابن عمر نكاح المحلِّل نكاح دُلْسَة٤. وقال أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، فلو أَتوا الأمر عِيانًا كان أهون عليّ٥. وقال شريك بن عبد الله القاضي في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة٦.
وتلخيص هذا٧ أن الحيل المحرَّمة مخادعة لله، ومخادعة الله حرام.
أما المقدمة الأولى فإن الصحابة والتابعين ــ وهم أعلم الأمة بكلام الله ورسوله ومعانيه ــ سمَّوا ذلك خداعًا، وأما الثانية فإن الله ذمَّ أهل الخداع،
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ز: «وهذا».
(٣) ذكره المصنف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٨٤) وعزا قول أنس إلى مطيَّن في كتاب البيوع، وقول ابن عباس إلى أبي محمد النخشبي.
(٤) روى أثر عثمان ﵁ البيهقي (٧/ ٢٠٨)، وأما أثر ابن عمر فلم أقف عليه. وانظر: «بيان الدليل» (ص ٣١) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٤٨١، ٤٨٢).
وأخبر أن خداعهم إنما هو لأنفسهم، وأن في قلوبهم مرضًا، وأنه سبحانه خادعهم، فكل هذا عقوبة لهم.
ومدار الخداع على أصلين؛ أحدهما: إظهار فعل لغير مقصوده الذي جُعِل له. الثاني: إظهار قول لغير مقصوده الذي وُضع له، وهذا منطبق على الحيل المحرمة. وقد عاقب الله سبحانه المتحيلين على إسقاط نصيب المساكين وقت الجداد بجَدِّ حَبِّهم١ عليهم وإهلاك ثمارهم، فكيف بالمتحيل على إسقاط فرائض الله وحقوق خلقه؟ ولعن أصحاب السبت ومسخهم قردةً وخنازير على احتيالهم على فعل ما حرّمه عليهم.
قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ [٥٤/ب] اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾[البقرة: ٦٥]، قال: رَمَوا الحيتان في السبت، ثم أرجؤوها في الماء، فاستخرجوها بعد ذلك، فطبخوها فأكلوها واللهِ أوخَمَ أَكْلةٍ أُكِلَتْ، أسرعَه في الدنيا عقوبةً وأسرعَه عذابًا في الآخرة، والله ما كانت لحوم تلك الحيتان بأعظمَ عند الله من دماء قوم مسلمين، إلا أنه عجّل لهؤلاء وأخّر لهؤلاء٢.
وقوله: «رمَوها في السبت» يعني احتالوا على وقوعها في الماء يوم السبت، كما بيَّن غيره أنهم حفروا لها حياضًا ثم فتحوها عشيةَ الجمعة، ولم يُرِد أنهم باشروا رميها يوم السبت؛ إذ لو اجترؤوا على ذلك لاستخرجوها.
(١) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «بجنتهم».
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٢٣) من طريق سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن بنحوه. ورواه أيضًا (١٠/ ٥٢٣) من طريق ابن علية عن أيوب عن الحسن.