إعلام الموقعين

من أظهر الأدلة على بطلان التحيُّل لإسقاط حقِّ من له حق؛ فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه١ أثبت خيار المجلس في البيع حكمةً ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضى الذي شرطه الله سبحانه فيه؛ فإن العقد قد يقع بغتةً من غير تَروٍّ ولا نظرٍ في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروَّى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما عيبًا كان خفيًّا. فلا أحسنَ من هذا الحكم، ولا أرفقَ بمصلحة الخلق؛ فلو مكّن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض٢ في الحال والمبادرة إلى التفرق، لفاتت مصلحةُ الآخر ومقصودُ الخيار بالنسبة إليه. وهَبْ أنك أنت اخترتَ إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروَّى، فنهوضك حيلة على إسقاط حقّه من الخيار، فلا يجوز حتى يخيِّره؛ فلو فارق المجلس لغير هذا لحاجةٍ أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد [٥٥/ب] إبطال حق أخيه من الخيار لم يدخل في هذا التحريم، ولا يقال: هو ذريعة إلى إسقاط حق الآخر من الخيار؛ لأن باب الذرائع متى فاتت به مصلحة راجحة أو تضمَّن مفسدة راجحة لم يلتفت إليه. فلو منع العاقد من التفرُّق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرار به ومفسدة راجحة؛ فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفقه للحكمة والمصلحة٣، ولله الحمد.

وتأمَّل قوله: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلُّوا محارمَ الله بأدنى

  1. (١) ز: «عليه وسلامه».
  2. (٢) ز: «النهوظ».
  3. (٣) ز: «للمصلحة والحكمة».
52

الحيل»١، أي أسهلها وأقربها، وإنما ذكر أدنى الحيل لأن المطلِّق ثلاثًا مثلًا من أسهل الحيل عليه أن يعطي بعضَ التيوس المستعارة عشرةَ دراهم ويستعيره لينزو على امرأته نزوةً وقد طيَّبها له، بخلاف الطريق الشرعي التي هي نكاح الرغبة فإنها يصعب معها عودُها إلى الأول جدًّا. وكذلك من أراد أن يُقرِض ألفًا بألف وخمسمائة، فمِن أدنى الحيل عليه٢ أن يعطيه ألفًا إلا درهمًا باسم القرض ويبيعه خرقةً تساوي درهمًا بخمسمائة، ولو أراد ذلك بالطريق الشرعي لتعذّر عليه. وكذلك حيلة اليهود بنَصْب الشِّباك يوم الجمعة وأخْذِ ما وقع فيها يوم السبت من أسهل الحيل. وكذلك إذابتُهم للشحم وبيعُه وأكلُ ثمنه.

وقال الإمام أحمد في «مسنده»٣: ثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضنَّ٤ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، واتّبعوا أذنابَ البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم».

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) «عليه» ليست في د.
  3. (٣) رقم (٤٨٢٥)، ورواه الطبراني (١٣٥٨٥) أيضًا. وفي إسناده عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر ﵄. لكنه توبع بعطاء الخراساني عن نافع عند أبي داود (٣٤٦٢) كما سيأتي. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (١١).
  4. (٤) ز: «ظن».
53

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي