﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾[البقرة: ٢٣٧]، ويَنْهَدُ الأشرار، ويُستذلُّ الأخيار، ويُبايَعُ١ المضطرون، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطرّ، وعن بيع الغَرر، وبيع الثمر قبل أن يطعم.
وله شاهد من حديث حذيفة عن النبي ﷺ رواه سعيد٢ عن هُشيم عن كوثر بن حكيم عن مكحول: بلغني عن حذيفة أنه حدّث عن رسول الله ﷺ: «إن بعد زمانكم هذا زمانًا عَضوضًا، يعضُّ الموسر على ما في يديه، ولم يُؤمر٣ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾[سبأ: ٣٩]، ويَنْهَد شرار خلق الله، يبايعون كلَّ مضطر، ألا إنّ بيعَ المضطرّ حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه، إن كان عندك خير فعُدْ به على أخيك، ولا تزِدْه هلاكًا إلى هلاكه».
وهذا من دلائل النبوة، فإن عامة العِينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضِنُّ بها٤ عليه الموسر بالقرض حتى يربح عليه في المائة ما أحب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو
(١) في النسختين: «ويباع». والتصويب من «المسند».
(٢) رواه سعيد بن منصور كما في «المحلى» (٩/ ٢٢) و«بيان الوهم والإيهام» (٢/ ١٥٨) وأبو يعلى كما في «المطالب العالية» (٩٦٧). وفي إسناده كوثر بن حكيم متكلم فيه، وكذلك الانقطاع بين مكحول وحذيفة. قال ابن كثير في «تفسيره» (٦/ ٥٢٣): هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف. وانظر: «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٢/ ١٥٨).
(٣) في النسختين: «ولم يؤثر». والتصويب من مصادر التخريج و«بيان الدليل».
(٤) ز: «يصرفها»، تحريف.
التورُّق، وإن رجعتْ إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلِّل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، وأخفُّها التورُّق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز، وقال: هو آخِيَةُ الربا١. وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه ﵁، فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر.
وكان شيخنا ﵁ يمنع من مسألة التورُّق، ورُوجع فيها وأنا حاضر مرارًا، فلم يرخِّص فيها٢، وقال: المعنى الذي لأجله حُرِّم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها؛ فالشريعة لا تحرّم الضرر الأدنى وتُبيح ما هو أعلى منه. [٥٧/ب] وقد تقدَّم الاستدلال على تحريم العينة بقوله ﷺ: «لا يحلُّ سلفٌ وبيع، ولا شرطانِ في بيع»٣، وبقوله: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسُهما أو الربا»٤، وأن ذلك لا يمكن وقوعه إلا على العِينة.
ومما يدلُّ على تحريم الحيل قوله ﷺ: «صيدُ البرّ لكم حلال، ما لم تَصيدوه أو يُصَدْ لكم». رواه أهل السنن٥.
(١) انظر: «بيان الدليل» (ص ٨٢). وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٢٠١٥٨) قوله في العِينة إنها أخت الربا.