وقال في رواية الميموني١ وقد سأله: إنهم يقولون في رجل حلف على امرأته وهي على درجة: إن صعدتِ أو نزلتِ فأنتِ طالق، قالوا٢: تُحمَل حملًا، فقال: هذا هو الحنثُ بعينه، ليس هذه حيلة، هذا هو الحنث. وقالوا: إذا حلف لا يطأُ بساطًا، يطأُ بساطينِ، وإذا حلف لا يدخل دارًا يُحمل. فأقبل أبو عبد الله يَعجَب.
وقال أبو طالب٣: سمعت أبا عبد الله قال له رجل: في كتاب «الحيل»: إذا اشترى الرجل الأمة فأراد أن يقعَ بها، يُعتقها ثم يتزوجها. فقال أبو عبد الله: سبحان الله، ما أعجبَ هذا! أبطلوا كتاب الله والسنة، جعل الله على الحرائر العدةَ٤ من أجل الحمل، فليس من امرأة تُطلَّق أو يموت زوجها إلا تعتدُّ من أجل الحمل، ففرجٌ يوطأ يشتريه ثم يُعتقه على المكان فيتزوجها فيطؤها! فإن كانت حاملًا كيف يصنع؟ يطؤها رجلٌ اليوم ويطؤها الآخر غدًا؟ [هذا]٥ نقضٌ للكتاب والسنة، قال النبي٦ﷺ: «لا تُوطأ الحاملُ حتى تضعَ، ولا غيرُ الحامل حتى تَحيضَ»٧. ولا يدري هي حامل أم لا، سبحان الله، ما أسمجَ هذا!
(١) انظر: «بيان الدليل» (ص ٢٨، ٢٩).
(٢) ز: «فقال»، خطأ.
(٣) كما في «بيان الدليل» (ص ٢٧٦، ٢٧٧).
(٤) د: «العدة على الحرائر».
(٥) زيادة من «بيان الدليل».
(٦) «النبي» ليست في د.
(٧) رواه أبو داود (٢١٥٧) من حديث أبي سعيد، وصححه الحاكم (٢/ ١٩٥) والألباني في «الإرواء» (١/ ٢٠٠).
وقال محمد بن الهيثم١: سمعت أبا عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ يحكي عن محمد بن مقاتل٢ قال: شهدتُ هشامًا وهو يُقرئ كتابًا، فانتهى بيده إلى مسألة فجازها، فقيل له في ذلك، فقال: دعوه، وكره مكاني، فتطلعتُ في الكتاب، فإذا فيه: لو أن رجلًا لفَّ على ذكر فرجِه٣ حريرةً في شهر رمضان ثم جامع امرأته نهارًا فلا قضاء عليه ولا كفارة.
فصل
ومما يدلّ على بطلان الحيل وتحريمها أن الله سبحانه إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما تتضمن من مصالح عباده في معاشهم ومعادهم؛ فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء الذي لا بدّ لهم منه والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به، فإذا احتال العبد على تحليل ما حرَّم الله وإسقاطِ ما فرض الله وتعطيلِ ما شرع الله كان ساعيًا في دين الله بالفساد من وجوه:
أحدها: إبطاله ما في الأمر المحتال عليه من حكمة الشارع، ونقضُ حكمته فيه، ومناقضتُه له.
والثاني: أن الأمر المحتال به ليس له عنده حقيقة، ولا هو مقصوده، وهو ظاهر المشروع؛ فالمشروع ليس مقصودًا له، والمقصود له هو المحرَّم نفسه، وهذا ظاهرٌ كلَّ الظهور فيما قصد الشارع؛ فإن المرابي مثلًا مقصوده
(١) لم أجد هذه الرواية في مصدر آخر.
(٢) ز: «مقاتل بن محمد». والمثبت من د، وهو الصواب. انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» (٣/ ٢٧٥).